لم يجف حبر الاتفاق الفلسطيني بعد وقت كتابة هذا المقال، وقلوب المقهورين من الشعب الفلسطيني ترقب سريانه، صحيح أن "الطخ" بالرصاص "شعلل" ابتهاجاً بالاتفاق في الأراضي الفلسطينية بالضفة وغزة، ولكن الأكيد أن الأنفاس محتبسة في فلسطين ولدى كل المؤيدين للحق الفلسطيني في كل مكان. ذلك أنه من غير الثابت في تاريخنا السياسي الحديث الالتزام بالوعود والعهود، هذه حقيقة مرة: هل نتذكر اتفاق مكة بين الفرقاء الأفغان عام 1989؟ ماذا كانت نتيجته؟ اقتتال دامٍ لم يكن له سابق في بشاعته ودمويته. هل منا من يتذكر اتفاق مكة بين الفرقاء العراقيين قبل أشهر قليلة الذين تعاهدوا على حرمة الدم العراقي؟ وما هي النتيجة: حمام دم فوار كما الشلال الهادر يسفح دم العراقيين الأبرياء ظلماً ومن كافة الطوائف. واتفاق الطائف الذي احتضنته السعودية أيضاً عام 1990 حقناً لدماء اللبنانيين، تنكثه اليوم نفس القيادات التي بصمت وأمضت عليه بالأمس. ونماذج عديدة تؤكد أننا لا نحترم اتفاقاتنا مع بعضنا بعضاً مما يعطي أعداءنا مبررات لعدم الالتزام بعهودهم ووعودهم معنا، ثم نملأ مناهجنا ووسائل إعلامنا بنماذج لكيفية نقض اليهود للعهود، وكيفية عدم الثقة بالآخر، وننسى أنفسنا! إسرائيل بدورها استغلت الاقتتال الفلسطيني- الفلسطيني وراحت تنفذ مخططها بهدم الأقصى، بينما "حماس" و"فتح" تختلفان على من يكون وزير هذه الوزارة أو تلك، وترجم هذا الخلاف بالدم والرصاص قبل أن تقام الدولة على أرض الواقع، ولعل الفلسطيني البسيط يتساءل اليوم: ترى! كيف سيكون الاقتتال لو تحققت الدولة فعلاً؟ وصار هناك وزراء ووزارات حقيقية؟ وأموال ومداخيل غير المعونات؟ هذا هو قدر المملكة العربية السعودية، تحاول أن تجمع فرقاء العرب والمسلمين على كلمة سواء، من الأفغان إلى العراقيين واللبنانيين وصولاً إلى الفلسطينيين. بل إن هذا هو ديدن دول الخليج، محاولات المصالحة وجهود التوافق بين الإخوة- الأعداء. يذكر أن قطر قد قامت بجهود مشكورة سبقت الاقتتال لتشكيل حكومة وحدة وطنية، لكن العناد والمصالح حالا دون إنجاح جهودها. قبلها كانت الإمارات قد قدمت جهوداً مادية ونصائح "بجمال" للفصائل الفلسطينية حول أهمية وحدة الصف الفلسطيني منذ عهد الراحل الكبير الشيخ زايد رحمه الله، لكن "لا حياة لمن تنادي"، وكانت الكويت منذ الخمسينيات حاضنة للثورة الفلسطينية ومنبعاً لثروتها حتى العام تسعين، فمنذ "أبو عمار" وحتى خالد مشعل الذي عاش في الكويت وتخرج من جامعتها، والجهود الكويتية منصبة على دعم القضية وتدعيم وحدة قياداتها، إلى أن تحولت القيادة الفلسطينية يوم غزو صدام للكويت عام 1990 إلى "طير بن برمان"، وهو صقر رباه شخص اسمه بن برمان ودربه على الصيد، فأطلقه ليصيد حية ويلقي بها على رأس صاحبه. اجتمعت القيادات الفلسطينية كلها في مكة من "أبو مازن" إلى خالد مشعل، مرورا بهنية ودحلان، ووقعوا وتعاهدوا على حرمة الدم الفلسطيني منذ لحظة الاتفاق، وهذا حسن وجميل وعمل صالح، لكن النوايا والنفوس لا تزال غائرة بالتنافس المحموم على هذه الوزارة أو تلك، كما أن الاتفاق يحمل في طياته بذور خلاف حول البرنامج السياسي، فالفريقان مختلفان حول الاعتراف والتعاطي مع إسرائيل، ذاك الاعتراف الذي تم بموجب اتفاقات "أوسلو" التي تنص على إنشاء الحكومة الفلسطينية التي ترأسها الآن "حماس" والتي ترفض بدورها اتفاقات "أوسلو" ولكنها تقول إنها تحترمها: "تعالَ حلها!!". لا أريد أن أتشاءم من خلال هذه المقالة، لكن النظرة الموضوعية تؤكد عدم التزام معظم ساستنا بالوعود والعهود، وليتهم يتعلمون.