في مقال الأسبوع الماضي، تعرضنا إلى المعادلة التربوية التي تمثل تلخيصاً لشخصية الإنسان، والتي ختمناها بقولنا إن الإنسان يعيش صراعاً خفياً بين مكوناته الثلاثة؛ فالجسد يربطه بالتراب، والروح تريد الارتقاء به إلى عالم الملائكة، ويحاول العقل فرض نفسه بتحويله إلى آلة لا مشاعر لها، شأنها في الحياة الإنتاج والربح بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ. فأين هو سر الاعتدال؟ وكيف يتمكن الإنسان من التعامل مع مكوناته وفق توازن يقوده في النهاية إلى شخصية معتدلة سعيدة راضية في الدنيا مرضي عنها في الآخرة؟ وكي نصل إلى الإجابة المقنعة حول تساؤل المقال السابق، دعونا نجيب أولاً على سؤال: كيف يخرج الإنسان عن فطرته؟ سؤال محيِّر لكن إحدى الإجابات تكمن في تركيزه على مكون من مكوناته وإهماله بقية العناصر، فكما رأينا أن الماء يفقد خصائصه الأساسية بالتركيز على أحد عناصره، كذلك الإنسان يخرج عن إنسانيته إلى عالم آخر، فور تركيزه على جانب وإهماله بقية الجوانب. لو أراد الإنسان مثلاً أن يتحول، أجلَّكم الله، إلى حيوان فعليه التركيز على الجسد ورغباته وملذاته، فلأنه من تراب، فهو يحاول أن يسقط بالإنسان إلى أسفل سافلين، فمن أسرف مثلاً في شهواته وغيَّب عقله، فإنه يتحول في تلك اللحظة إلى أقرب ما يكون للحيوانات التي متى ما دفعتها شهوتها إلى الإشباع لم تتردد لحظة في هذا الأمر، وهذا وصف القرآن لمثل هؤلاء البشر "إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا". ويستغرب العقلاء من تصرفات بعض البشر الذين جلُّّ همهم الجسد بمكوناته المختلفة، فحديثهم عن الجسد، وتفكيرهم منصب حول كيفية إشباع رغباته وملذاته بالطرق المشروعة وغير المباحة. حتى لو تركنا الجانب الشرعي جانباً في بعض القضايا، فإن البعض أسرف على نفسه حتى أنه جاوز حدود العقل، عندها ينعته العقلاء من الناس بأنه حيوان، بل إن الحيوانات في بعض الأوقات قد تترفع عن بعض ممارسات بني آدم. ولو ركز الإنسان على إشباع الروح مثلاً على حساب الجسد محاولاً الارتقاء بها في معارج السماوات العليا، فإنه يحاول أن يكون ملكاً وهو لم يخلق لذلك، فتجد عند بعض البشر عزوفاً عن الدنيا وما فيها، وكأنهم خلقوا للعبادة فقط، ونسوا أن العبادة المُطلقة هي من شأن الملائكة، أما عبادة الإنسان فلها المعنى الضيق والمتمثل في الشعائر التعبدية، التي من المفروض أن يقوم بها الإنسان، وكذلك العبادة بمفهومها الواسع، ففي نظر الإسلام عمارة الأرض من عبادة الله تعالى، وخدمة الناس من أفضل القربات التي يقوم بها المسلم، بل إن القيام بمتطلبات المهن والوظائف من القربات متى ما نوى بها المسلم ذلك. وقد عاتب رسول الأمة رجالاً حاولوا التركيز على أرواحهم دون الاهتمام بالجسد، عندما قرر بعضهم الصوم ولا يفطر وقرر الآخر الصلاة، دون نوم، وأعلن الثالث أنه لن يتزوج النساء، لأنهم اعتقدوا أن كل هذه الأمور من متع الدنيا، وظنوا أنه من التقوى إهمال متطلبات الجسد. رفض الرسول عليه الصلاة والسلام هذا التطرف وقال "أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم، غير أني أصوم وأفطر أقوم وأنام وأتزوج النساء، فمن رغِب عن سنتي فليس مني". وأما من اهتم بعقله على حساب روحه وجسده، فسيتحول في النهاية إلى آلة صماء ليس فيها من العاطفة شيء يذكر، فهو حلقة في آله تدور لكن إلى أين؟ لأن العقل له حدود لا يستطيع تجاوزها. وقد رأينا أناساً أرهقتهم عقولهم وصرفتهم عن متطلبات الجسد والروح حتى أنهم أصبحوا أقرب ما يكون إلى الشقاء و =العناء لتفريطهم في استخدام العقل في غير محله أو تجاوز حدود العقل البشري. فخير للإنسان أن يحافظ على مكوناته الثلاثة، ويعطي كل جانب منها دوره، لأن في ذلك التوازن الذي يقودنا إلى الإنسان المتعادل، وسر التوازن يكمن في اجتماع الوحي أو النقل مع العقل.