ذات مرة كتب وينستون تشرشل عن الهند قائلاً: "ليست الهند سوى تعبير جغرافي، وهي أكثر شبهاً بالمنطقة الاستوائية منها ببلد واحد". وبالفعل استطاع السياسي البريطاني العتيد التقاط الطابع المميز للهند كمزيج متنوع من العرقيات والثقافات المختلفة، ومن اللغات المتباعدة، فضلاً عن الأنماط المناخية والجغرافية التي تميز مناطقها الشاسعة. غير أن الهند تختلف أيضاً في درجات اعتناقها للحداثة وتأثيراتها المتباينة بين تبني أكثر الوسائل التكنولوجية تطوراً، وبين تمسكها بمعتقداتها الدينية التقليدية. هذه التناقضات التي تضج بها الهند وتميز مسيرتها الاقتصادية الناجحة، هي ما يسعى "إدوارد لوس"، الصحفي البريطاني والمسؤول في مكتب "فاينانشال تايمز" في نيودلهي، إلى الكشف عنه وتسليط الضوء على بعض جوانبه في كتابه "رغم الآلهة: الصعود اللافت للهند المعاصرة". وفي سبيل ذلك الهدف، يتعقب الكاتب ملامح ومفارقات النسيج السياسي والاقتصادي والاجتماعي الهندي. ولعل أول ما يلفت نظر المؤلف هو ذلك التضاد الواضح بين التقدم العلمي في بعض المجالات، لاسيما تكنولوجيا الكمبيوتر وتطبيقاتها المتنوعة التي تجتاح الحياة الهندية، وبين التخلف الاجتماعي المتمثل في استمرار العمل بنظام طبقي اجتماعي متشدد، فضلاً عن انتشار الخرافات والشعوذة. لكن المؤلف البريطاني لا يستخدم أبداً عبارات قاسية، لذا لم يأتِ على ذكر "التخلف" مباشرة، بل يلمح إلى ذلك من خلال استعراضه للتناقضات الصارخة المميزة للهند. وهو في ابتعاده عن الأحكام القاسية واعتماده على عبارات مهذبة، يعلن وفاءه للتقاليد البريطانية في عدم إظهار المشاعر والجهر بالانتقاد. وهكذا يمضي بهدوء متلمساً الظواهر التي تعري جوانب التناقض في الحياة السياسية الهندية؛ مثل انتشار المد الأصولي الهندوسي المتطرف، بينما الهند هي من أنجبت الماهاتما غاندي المعروف بمناهضته للعنف. وعلى امتداد صفحات الكتاب، نلمس بوضوح تقنيات المراسل الصحفي الذي يسعى وراء التفاصيل، لكن دون أن يغرق الكتاب في تقنيات التحقيق الصحفي. فالتفاصيل الدقيقة والملاحظات اللاذعة، ثم الساخرة أحياناً، تحتل حيزاً مهماً من الكتاب التي تظهر من خلال سرده للوقائع التي شاهدها أثناء جولته في الهند. ويذكر المؤلف على سبيل المثال رحلة قام بها إلى مركز للأبحاث متخصص في منتجات الأبقار بإحدى الولايات الهندية التي تقدس ذلك الحيوان. فما أن وصل إلى عتبة المركز حتى اضطر إلى نزع حذائه، ورأى كيف تُعبأ قنينات زجاجية ببول البقر الذي يعتقد أنه يشفي من جميع الأمراض؛ بدءاً من السرطان وليس انتهاء بالسمنة. بل وأكثر من ذلك رأى المؤلف باندهاش كبير، لكن دون أن يخرج عن آداب اللياقة، كيف تجمع فضلات الأبقار لتستعمل لاحقاً كشامبو مضاد للقشرة. وإذا كان المؤلف يحرص على إبداء تفهم للاختلاف الكبير في العادات والتقاليد الهندية، والامتناع عن إصدار الأحكام الجاهزة، ما قد يفسر على أنه حنين إلى فترة كولونيالية غابرة، إلا أنه مع ذلك لا يتردد في التنبيه إلى مبالغات تحيط بالصعود الهندي. فقد درجت التحليلات التي تتناول الإنجاز الهندي في السنوات الأخيرة على التركيز على النهضة اللافتة في مجال تكنولوجيا المعلومات والثورة التي يشهدها المجال التعليمي، لكن المؤلف من جهته ينبه إلى قصور قطاع التكنولوجيا في تأمين الوظائف لجميع الخريجين، موضحاً أنه بالكاد يستوعب مليون شخص من بين 1.1 مليار الذين هم عدد السكان في الهند. والكاتب ينبه أيضاً إلى الفساد الذي ينخر بعض الأجهزة الحكومية المحلية، ما يعيق تحقيق معدلات أعلى من النمو الاقتصادي واستفادة شرائح اجتماعية واسعة من عائداته. ومع ذلك يرصد المؤلف تحولاً دراماتيكياً يجري في الهند ينسحب على جميع الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فعلى الصعيد السياسي شهدت الهند تحولاً باهراً من سيطرة الحزب الواحد خلال العقود الأولى من استقلال الهند إلى التعددية الحزبية وتشكيل الائتلافات الحكومية التي تضمن مشاركة واسعة لألوان الطيف السياسي في الهند. وفي المجال الاقتصادي استطاعت الهند القفز من مرحلة الحمائية إلى مرحلة تحرير الاقتصاد والاندماج الإيجابي في العولمة. أما اجتماعياً، فقد بدأت الهند تتخلص تدريجياً من النظام الطبقي المتشدد الذي يفرق المواطنين حسب طبقاتهم الاجتماعية بفضل الاحتكام إلى صناديق الاقتراع كمعيار وحيد لاختيار ممثلي الشعب. واللافت حسب المؤلف أن مسلمي الهند الذين يبلغ عددهم حوالى 140 مليون نسمة، فضلوا الابتعاد عن الأيديولوجية الجهادية التي تجد لها رواجاً في الجارة باكستان، ما يعني نجاح الديمقراطية الهندية في استيعاب جميع مواطنيها بصرف النظر عن دياناتهم. هذه الديمقراطية، يقول الكاتب، هي الضامن الوحيد لمستقبل الهند وتفادي احتمالات التشظي والفوضى بسبب التعدد الكبير في الخريطة الدينية والعرقية في البلد، بحيث يتم تدبير الاختلاف عن طريق الانتخابات وتداول السلطة. وفي سابقة نادرة الحدوث في بلد آخر، شهدت الهند في انتخابات 2004، والتي تعتبر أكبر انتخابات على الصعيد العالمي بالنظر إلى عدد سكانها، تنحي الزعيمة السياسية "سونيا غاندي"، الكاثوليكية من أصل إيطالي، ليتولى مانموهان سينج، السيخي، منصب رئيس الوزراء، ويدلي بالقسم الدستورية على أيدي الرئيس المسلم "عبد الكلام"، وذلك كله في بلد تشكل فيه نسبة الهندوس 81%. وللتدليل على الحراك الهندي، رغم المشاكل التي تعترض طريقه، يشير المؤلف إلى حرية الصحافة وازدهارها في الوقت الذي تعرف فيه مثيلاتها في البلدان الغربية تراجعاً في نسب التوزيع يهدد مستقبلها. ويرجع ذلك، حسب الكاتب، إلى الهامش الكبير من الحرية الذي تحظى به الصحافة من جهة، وتمثيلها لكافة التيارات السياسية من جهة أخرى. زهير الكساب عنوان الكتاب: "رغم الآلهة: الصعود اللافت للهند المعاصرة" المؤلف: إدوارد لوس الناشر: ليتل براون تاريخ النشر: 2006