"ماذا يظننا الأميركيون؟"، كان هذا هو السؤال الذي وجهته لي سيدة عجوز في الحافلة التي كنت أركبها، وهو ذاته السؤال الذي سمعته يتردد دوماً خلال فترة إقامتي في إيران العام الماضي، والتي امتدت لثلاثة شهور ونصف الشهر. وكانت الرسالة التي أرادت تلك السيدة -وغيرها- توصيلها للأميركيين واحدة تقريباً وهي: "قلْ للأميركيين إننا لسنا شعباً مجنوناً ولا مخيفاً". وعلى رغم أن الكثيرين من الغربيين متخوفون من القدوم لإيران هذه الأيام -وهو أمر يمكن فهمه- فإن الاتصال الشخصي وجهاً لوجه، وخصوصاً في مثل هذه الأيام الحرجة، يعتبر في رأيي أمراً بالغ الأهمية. والحقيقة أن ما سمعته من الإيرانيين تعبيراً عن آرائهم في العلاقات بين بلادهم والولايات المتحدة خلال الرحلات التي قمت بها في ريف إيران من أجل إجراء أبحاث أنثروبولوجية، قد شجعني أيما تشجيع وجعل قلبي مفعماً بالأمل. وعلى رغم أنني قد زرت إيران كثيراً عندما كنت صبياً، فإن الوضع السياسي الحالي في المنطقة جعلني متخوفاً من القيام بهذه الرحلة، وخصوصاً على ضوء تصاعد التوتر حول البرنامج النووي الإيراني، وعلى ضوء التقارير التي تداولتها وسائل الإعلام المختلفة حول هجوم أميركي محتمل ضد أهداف إيرانية. ولكن هذه المخاوف سرعان ما تبددت بعد اللقاءات التي أجريتها مع إيرانيين من شتى التخصصات ومختلف مناحي الحياة: من الطبقة الدنيا والعليا، من رجال الدين والعلمانيين، من المتفرنجين والتقليديين. لقد أصبحت بعد تلك اللقاءات مقتنعاً تمام الاقتناع بأن هذا البلد الذي وصفته أميركا بأنه أحد أعضاء "محور الشر" ليس في الحقيقة سوى واحد من أكثر البلدان ترحيباً بالأميركيين في منطقة الشرق الأوسط ، بل ولعلني لا أبالغ عندما أقول إن جميع الإيرانيين الذين التقيتهم قد اتفقوا في شيء واحد هو تعبيرهم عن موقف إيجابي تجاه الأميركيين. الإيرانيون لا يكرهون أميركا بل إن العكس هو الصحيح تماماً؛ فالكثيرون منهم يحسدون الأميركيين إلى درجة غير واقعية وينظرون إلى الولايات المتحدة على أنها جنة الله على أرضه وأنها خالية من المشكلات. ولقد أحسست بهذه المشاعر في أماكن لم تكن متوقعة على الإطلاق. فعلى سبيل المثال صادفتني مشكلة ما في تجديد تأشيرتي، وفوجئت أن الذي ساعدني في حلها هو المسؤول الأول عن التأشيرات في وزارة الهجرة وهو رجل صارم تلوح على محياه علامات التجهم. فعندما ذهبت إليه في مكتبه قال لي الرجل: "لأنك أميركي فإنني سأؤدي لك هذه الخدمة". ولم يكن هذا بالشيء غير المعتاد، فالحقيقة هي أن الإيرانيين -ومعظمهم بالمناسبة يتعاملون بود مع الأجانب- كانوا يتعاملون معي بطريقة غاية في الود بمجرد معرفتهم بأنني أميركي. لقد بدا الأمر وكأنهم جميعاً يريدون مني أن أوصل رسالة عبَّر عنها ذلك المسؤول الكبير في وزارة الهجرة عندما قال لي: "اذهب إلى وطنك فقل لأهلك الأميركيين إننا نحبهم" مضيفاً إلى ذلك: "سأقول لك شيئاً: لدي أسرة في شيكاغو وأريد منك أن تساعدني كي أذهب لرؤيتهم". وفي طريقي إلى خارج مبنى الوزارة قابلت جندياً في الردهة طلب مني إبراز هويتي وعندما قدمت له جوازي الأميركي تناوله باهتمام شديد وقلّب فيه كأنه يقلّب في شيء نفيس قبل أن يقول لي: "كيف يمكنني الذهاب إلى الولايات المتحدة للدراسة". وبموازاة آراء الإيرانيين الإيجابية عن الأميركيين كشعب نجد معارضتهم الموحدة تقريباً، لأي تدخل من جانب الولايات المتحدة في بلدهم. وفي الحقيقة أن هذا الموقف يتناقض تناقضاً تاماً مع ما يعتنقه نائب الرئيس ديك تشيني وآخرون بشأن إيران، ومؤداه أنه إذا ما قامت أميركا بمهاجمة إيران، فإن الشعب الإيراني سينهض للوقوف إلى جانبها في قتالها ضد نظامه. ليس هناك ما هو أبعد عن الحقيقة من هذا الرأي، وأنا أقول ذلك من واقع تجربتي في هذا البلد. فالتدخل الأميركي في إيران هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يجعل الإيرانيين يلتفون حول نظامهم الإسلامي. في جلسة جمعتني مع مجموعة من الأساتذة الإيرانيين الجامعيين في ضاحية عصرية من ضواحي العاصمة الإيرانية في عطلة نهاية أحد الأسابيع، كان الرأي الذي سمعته من هؤلاء الأساتذة هو أنه على الرغم من أن الشعب الإيراني يعاني من القمع من جانب نظامه الديني المتشدد، فإن أفراده يعرفون كيف يلتفون على ذلك كما أن الوضع لن يصل أبداً إلى نقطة وقوف هذا الشعب ضد هذا النظام إذا ما هاجمت أميركا إيران. هذا الرأي لم أسمعه من أساتذة الجامعات الإيرانيين، أو من المثقفين الذين التقيتهم، ولكنني سمعته أيضاً من الشباب الفقراء القرويين في جنوب إيران الذين قالوا لي إنهم سيحملون السلاح إلى جانب الملالي دفاعاً عن بلدهم ولدحر أي هجوم خارجي عليه. وعندما سمعت ذلك لم أملك سوى أن أتخيل أن هؤلاء الشباب المعتدلين الذين لا يكرهون أميركا يمكن أن يكونوا يوماً ما هم العناصر التي تشكل قوات التمرد في أي صراع إقليمي أوسع نطاقاً. وهذا الصراع يمكننا تجنبه إذا ما استمعنا إلى الأصوات القادمة من إيران والتي تدل على أن الإيرانيين في أغلبيتهم الساحقة يؤيدون تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، ولكنهم يعارضون في الوقت نفسه أي تدخل من جانبها في شؤونهم الداخلية. وما يثير التفاؤل هو أن الأصوات المعتدلة في البلدين قد شرعت مؤخراً في انتزاع الزمام من "المحافظين الجدد" في الولايات المتحدة، ومن ونظرائهم الأصوليين في إيران، وهو ما يجعلنا نتمنى لهم الفوز في مسعاهم من صميم قلوبنا. لم يعد بمقدورنا إهدار تلك الأغلبية الساحقة من القلوب والعقول الإيرانية التي كسبناها بالفعل، وإنما يجب علينا بدلاً من ذلك أن نقوم بإقناع الشعب الإيراني -من خلال إظهار الشجاعة من جانبنا في فتح حوار مع نظامه الحاكم- أننا ملتزمون بتعزيز مثلنا الجامعة في الحياة المشتركة والحرية والعدالة. على جيه. سكوتين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ باحث سابق في مؤسسة "فولبرايت" متخصص في الأنثروبولوجيا ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"