إذا كان الكونجرس الأميركي لا يملك القدرة على وقف نية الرئيس الأميركي لقصف إيران فمن المؤكد أن دول الإقليم العربي لا تملك هذه القدرة إن كان بوش مصمماً على ذلك. وإذا كانت القوى السياسية المعتدلة في إيران لا تستطيع وقف سياسة التصعيد الحكومية في مواجهة واشنطن فمن المؤكد أن محاولات الوسطاء العرب مثل عبدالعزيز الحكيم زعيم قائمة الائتلاف الشيعي العراقي لن تقوى بدورها على ذلك. كثير من المراقبين الغربيين يرون أن بوش ونجاد يقوى كل منهما الآخر باعتماد سياسة التصعيد وبالاعتماد على الخطاب السياسي عالي النبرات، وهو ما سيقودهما في نهاية المطاف إلى الصدام العسكري ويبدد احتمالات التوصل إلى تفاهمات تنهي الاحتقان فيما يتصل بالدور الإيراني في العراق والملف النووي. ماذا تبقَّى إذن للعرب سوى ترقب نذر العاصفة العسكرية والاستعداد لمواجهة مضاعفاتها على الأمن الإقليمي بمفهومه الشامل للسلامة الوطنية للدول وحدودها واقتصادياتها وأمنها الداخلي؟ أرجو أن تكون دولنا قد سبقت بالفعل إلى إعداد خطط طوارئ وطنية تمكنها من احتواء مضاعفات العاصفة المرتقبة.. فإن لم تكن قد فعلت فإنني أرجو أن تفعل ذلك في أقرب وقت ممكن، حيث إن الأخذ بمنهج التحوط والاستعداد المبكر هو المنهج الأسلم لدولنا ومجتمعاتنا حتى لو لم تهب العاصفة، ذلك أن وضع خطط طوارئ يحقق فوائد عدة أقلها تنشيط حواس المجتمع وتحفيز أجهزته على رفع كفاءة أدائها، وهو أمر لا يضيع سدى حتى وإن تبددت نذر العاصفة. وإذا قيل إن نداء الاستعداد يحمل طابع الإقلاق والإزعاج وإنه يمثل توقعاً لشر قبل تبلوره.. فإنني أرد بأنني أرى ما يراه سائر المراقبين وأدرك إمكانية أن يكون التصعيد المتبادل بين الطرفين نوعاً من الضغط الهادف إلى تحسين أوراق كل طرف في عملية التفاهم، غير أنني في ذات الوقت أستشرف اللحظة التي يشعر فيها الرئيس الأميركي بأن الوقت يفلت من بين يديه لتحسين شعبية حزبه "الجمهوري" قبل الانتخابات الرئاسية، والتي يقرر فيها أنه لم يتمكن من إحراز نصر بلا حرب بدفع طهران إلى تقديم المطالب التي يريدها في العراق والملف النووي تحت الضغوط. في اللحظة المشار إليها سيقرر بوش دون تردد أن يحصل على نصر عن طريق القصف الذي نرى استعداداته جارية اليوم، وفي تقديري أن الغالبية "الديمقراطية" في الكونجرس ستشعر بارتياح مزدوج مبطن إذا أعطى بوش أوامره بالقصف. ذلك أنه إذا نجح القصف في وقف الملف النووي الإيراني والحد من تدخل إيران في الشؤون العراقية فإن هذا النجاح سيزيح عبء المواجهة مع إيران من على كاهل المرشح الرئاسي "الديمقراطي" في حالة فوزه وسيدخل إلى البيت الأبيض على واقع إيراني عراقي أيسر في المعالجة. أما إذا فشل القصف في تحقيق أهدافه فإن الارتياح "الديمقراطي" سينبع من تأكيد صورة الحزب "الجمهوري" كحزب فاشل في دورتين رئاسيتين أمام جمهور الناخبين الأميركيين، مما يعزز من فرص فوز المرشح "الديمقراطي" بمقعد الرئاسة. إن الأولوية التي أراها اليوم في سلم العمل العربي على صعيد كل دولة، وعلى صعيد المجموعة المكونة من دول الخليج ومصر والأردن، يجب أن تتركز على بناء خطط الطوارئ اللازمة للحد من آثار العاصفة على الأمن الوطني لكل دولة والأمن القومي للمجموعة. من الطبيعي أن يتضمن المفهوم الشامل للأمن الوطني تحضير البنية الأساسية لكل دولة لاتقاء مخاطر الصدام العسكري من الطرفين خاصة في ضوء التوقعات بأن يكون القصف الصاروخي بين الجانبين متبادلاً وفي ضوء احتمالات تعطيل الملاحة في مضيق هرمز بما يترتب على ذلك من إشعال أسعار النفط في العالم، وما يجره هذا على ارتفاع أسعار السلع والخدمات التي لا غنى للشعوب العربية عنها. ولسنا في حاجة إلى تنبيه المسؤولين العرب إلى أن مثل هذه العاصفة ستثير الدوامات في بؤر مشتعلة بالفعل خاصة في العراق ولبنان وفلسطين مما قد يغري بامتدادها إلى أنحاء أخرى. أعلم أنه من الأفضل أن يكون للمرء حظ البشير وليس دور النذير غير أنني أعتقد أن استعدادنا يمكن أن يتم في هدوء واسترخاء وسلامة أعصاب تغنينا عن أضرار العاصفة إن وقعت وترفع من كفاءة أدائنا الوطني وتنفع أوطاننا إن مرت سحب العاصفة وتبددت في سلام.