قبل أن تُقيد يداه، ويُرمى به داخل إحدى شاحنات الشرطة، ويعذَّب في السجن، سمع "غونزالو" كلمات لن ينساها طيلة حياته، حيث قال له ضابط الشرطة بنبرة متهكمة: "إن الفقراء سيظلون دائماً فقراء، والأغنياء دائماً أغنياء. فلماذا لا تذهب إلى بيتكم وتتخلى عن النضال". والحال أن القمع والتنكيل لم ينجحا؛ إذ مازال الشاب غونزالو (الذي لن أفصح عن اسمه الكامل) والعديد من المكسيكيين من أمثاله يخوضون نضالهم من أجل العدالة الاقتصادية. إلا أن هذا الإصرار والتصميم يطرح مشكلة –وفرصة في الوقت نفسه ربما- للرئيس المكسيكي المنتخب حديثاً، المحافظ "فيليب كالديرون". فقد عكست انتخابات الصيف الماضي المحمومة، التي فاز فيها "كالديرون" بفارق ضئيل على منافسه "اليساري" المرشح "أندريه لوبيز أوبرادور"، الانقسامات الإقليمية والاقتصادية والسياسية التي تعاني منها المكسيك. والأكيد أن توحيد البلاد ليس بالأمر الهيِّن، بيد أنه يستطيع الشروع في ذلك عبر إصلاح سمعة المكسيك السيئة بخصوص حقوق الإنسان. ولهذا الغرض، سيتعين على "كالديرون" أن يكبح جماح قوات الشرطة التي اشتهرت بتعسفها. وإذا كانت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الأوروبية قد نددت بتعسف الشرطة المكسيكية وشططها في استعمال السلطة؛ فإن على الولايات المتحدة أن تحذو حذوها. ولأنه شارك في مسيرة احتجاجية الخريف الماضي بهدف المطالبة بوضع حد للفساد الذي ينخر الإدارة والرواتب العالية التي يتقاضاها الموظفون الحكوميون، يقول "جونزالو" إنه تعرض للضرب والتنكيل مرات عدة خلال فترة 21 يوماً التي قضاها في السجن، من دون أن يُسمح له برؤية محامٍ، أو أن توجه إليه تهم رسمياً. لقد سمعت قصته وقصص العديدين غيره خلال زيارتي لولاية "أوكساكا"، الواقعة جنوب البلاد، في ديسمبر الماضي في إطار وفد غير حكومي لحقوق الإنسان. وكلها قصص تعزز وتكرس، في الواقع، الصورة القاتمة التي رسمها أحدث تقرير لمنظمة "هيومان رايتس ووتش" حول حقوق الإنسان في المكسيك. فمما جاء في هذا التحقيق أن التعذيب مازال "مشكلة منتشرة على نطاق واسع في المكسيك"، حيث يواصل بعض القضاة قبول الأدلة والاعترافات التي تُنتزع من المتهمين بواسطة التعذيب؛ كما أن أكثر من 40 في المئة من السجناء في المكسيك لم يدانوا أبداً من قبل المحاكم. على أن الفترة الأخيرة بصفة خاصة شهدت ارتفاعاً لحدة التوتر بين المتظاهرين والشرطة، حيث لقي 23 شخصاً على الأقل حتفهم بولاية "أوكساكا" في الأشهر الأخيرة أثناء مظاهرات تحولت إلى أعمال عنف عندما رمى بعض المحتجين أفراد الشرطة بالزجاجات الحارقة والحجارة. وهي المواجهات التي تسببت العام الماضي في إحجام عدد كبير من السياح عن زيارة المنطقة، الأمر الذي أثار حفيظة أصحاب المحلات التجارية من الطبقة الوسطى وغيرهم ممن يعملون في القطاع السياحي، وأسهم بالتالي في تعميق الهوة بين الأغنياء والفقراء. ومما زاد من استفحال الأزمة أن حاكم ولاية "أوكساكا"، "يوليسيس روز"، لم يعمل على تطوير الاقتصاد المحلي؛ ونتيجة لذلك، تحولت الولاية، بفعل قلة فرص العمل، إلى نقطة المغادرة الرئيسية للمكسيكيين الذين يدخلون الولايات المتحدة بشكل غير قانوني. وفي هذا السياق، يقول "غونزالو": "عندما أعود إلى بلدتي، تؤلمني رؤية الأطفال وهم حفاة الأقدام"، مضيفاً: "إن أملهم الوحيد هو الذهاب إلى الولايات المتحدة". أما المسؤولون الفيدراليون القلائل الذي وافقوا على الالتقاء بنا فقد دافعوا عن شرطة الولاية بالقول إن تدخلاتها متزنة وضرورية لعودة النظام العام، معبرين عن عدم رضاهم عن الشرطة الفيدرالية، التي أرسلها سلف "كالديرون"، وهو "فيسنت فوكس"، وما رافقها من قوة كبيرة بهدف تفكيك المظاهرات. وهنا في الواقع يكمن الاختبار الصعب الذي يواجهه "كالديرون"؛ فقد وصل إلى السلطة بتعهد يقوم على شقين: أمن اقتصادي أكبر لنصف سكان المكسيك الذين يعيشون في الفقر، وأمن أكبر ضد خرق القانون وتجارة المخدرات. غير أن "كالديرون" اعتمد مقاربة متشددة في مواجهة الشق الثاني، حيث أرسل الشرطة الفيدرالية للقبض على زعماء المخدرات في مناطق عديدة من البلاد. والحال أن معالجة الشق الأول تقتضي عملاً لا يقل جرأة وقوة -وإنما في الاتجاه المعاكس؛ ذلك أن فقراء المكسيك يعانون قمع الفقر، إضافة إلى قمع الدولة والشرطة المحلية. ولكي ينجح "كالديرون" على صعيد حقوق الإنسان، عليه: - وقف قمع حركة الاحتجاج المشروعة وفتح مفاوضات مع المحتجين حول المشكلات مثل ضعف الأجور، وافتقار الحكومات المحلية في الولايات المكسيكية إلى الشفافية، والاتهامات بتزوير الانتخابات. - التحقيق في أعمال العنف ومحاكمة المسؤولين عنها. - العمل على أن تحترم المكسيك التزاماتها الدولية بخصوص حقوق الإنسان. وبالمقابل، على المحتجين أن يكبحوا جماح من يشكلون أقلية بينهم والذين يلجأون إلى العنف. إذا كانت الشرطة مسؤولة عن الحفاظ على النظام، فإن "كالديرون" مسؤول عن محاربة التعسف والشطط في استعمال السلطة. والواقع أنه في حال تمكن من القيام بواجبه، فإن جهوده الرامية إلى محاربة الفقر قد تتكلل بالنجاح. روبرت إيم. بريس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسل سابق لصحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" وأستاذ العلوم السياسية بجامعة "ساذرن ميسيسيبي" ومؤلف كتاب "المقاومة السلمية: الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"