لقد وجه الاتهام لـ"لويس ليبي" كبير الموظفين السابق في مكتب ديك تشيني، بالكذب على عملاء "مكتب التحقيقات الفيدرالي" وهيئة محلفين عليا، حول ما إذا كان قد ذكر لبعض الصحفيين أن "فاليري بليم"، زوجة أحد كبار منتقدي الحرب على العراق، عميلة في وكالة المخابرات المركزية أم لا؟ وكان "ديك تشيني" –رئيس "ليبي"- مهووساً بصفة خاصة بالسفير الأميركي السابق "جوزيف ويلسون"- زوج" بليم"- الذي كان قد ابتعث إلى النيجر، للتحري حول مدى صحة سعي صدام حسين للحصول على اليورانيوم منها أم لا. وما كان من "ويلسون" إلا أنه اتهم الرئيس بوش علناً، بتحريف الحقائق التي توصل إليها هناك بشأن سلوك صدام حسين، بقصد تبرير غزو أميركا للعراق. أما سبب هوس "تشيني" بـ"ويلسون"، فمرده إلى حرص الأول على إلحاق العار بالدبلوماسي. وهذا ما سعى إليه "ليبي" وغيره من مسؤولي إدارة بوش، عن طريق دس القصص والمواد الصحفية المنسوبة لمجهولين عن "ويلسون"، مستخدمين في ذلك صحفيين يعلمون استعدادهم للتعاون في هذا المسعى. وفي شهادة أدلت بها هذا الأسبوع، "ديبورا بوند"، عميلة مكتب التحقيقات الفيدرالي، أفادت إنكار "ليبي" إخطاره لـ"جودي ميلر"، الصحفية في "نيويورك تايمز"، أو "آري فليشر"، السكرتير الصحفي للبيت الأبيض حينها، بأن "بليم" كانت عميلة في الـ"سي آي إيه". غير أن "ميلر" و"فليشر"، شهدا بأن "ليبي" قد أخبرهما من تكون "بليم". كما شهدت "ديبورا بوند" بأن "ليبي" أخفى عن مكتب التحقيقات، حقيقة لقاء واحد على الأقل تم بينه و"ميلر"، وكذلك حواراً جرى بينه ومحرر "مجلة تايم" وقتها، "ماثيو كوبر". وذكر "ليبي" في إفادتيه المذكورتين، أنه علم بأمر "بليم" لأول مرة، من "تيم روزرت"، رئيس مكتب شبكة "إن بي سي" في واشنطن. إلا أن "روزرت" أنكر هذه الواقعة، ويتوقع له أن يكون شاهد الاتهام الأخير، لدى استئناف المحاكمة في الأسبوع المقبل. وفيما يبدو من هذه الإفادات، أن "ليبي" علم بأمر "بليم"، من ديك تشيني، نائب الرئيس نفسه، وأن حديث الاثنين حول الأمر قد سبق ما نسب إلى "روزرت" بشهر كامل على أقل تقدير. غير أن محامي "ليبي" يصرون على تأكيد أن المتهم كان مشغولاً وضعيف الذاكرة، وأنه لو كان له من سبيل لإلقاء النظر على مفكرته لحظة الإدلاء بإفادته لعملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي، لما تعمد تضليلهم بأية حال. ولكن هل يعقل أن يكون "تشيني"، على كل هذا القدر من الثقة والاعتماد على مساعد له، ضعيف الذاكرة على هذا النحو الذي يدعيه "ليبي" ومحاموه؟! ثم ولصالح المجادلة والمحاججة لا أكثر، كيف أمكن لـ"ليبي" خلط أوراق الحديث الذي قاله له تشيني، بهذا القدر بما سمعه من الصحفيين؟ وبالنظر إلى قوة نفوذ تشيني على مجمل سياسات إدارة بوش، فإذا ما تكررت وتواترت حوادث خلط الأوراق هذه، فإن في ذلك ما قد يفسر الكثير مما وقع خلال السنوات الست الماضية من عمر الإدارة كلها! وفي بيانهم الافتتاحي، قال محامو "ليبي" إن الإدارة رمت بموكلهم إلى فم ذئاب الادعاء، أملاً منها في صرف الأنظار والاهتمام بقضية "كارل روف"، الاستراتيجي السياسي الأول لإدارة بوش، والذي تحدث بدوره للصحفيين عن حقيقة "بليم". وقد أصابت مجلة "ذي إيكونومست" بنشرها خلال هذا الأسبوع ما يلي: "لم يكن هدف هيئة الدفاع عن "ليبي"، بما يكفي من الوضوح. فذنب "روف"، لا يثبت في المقابل براءة "ليبي". بل ربما كان الكل مذنبا بمن فيهم نائب الرئيس ديك تشيني". وعلى أية حال، وفي هذه المرحلة من محاكمة "ليبي"، فإنه يجدر تذكير الجميع بأن في هذه البلاد صحفيين لا ينفكون عن إبداء شكوكهم الصحية المعافاة في الخط الصحفي المعبر عن الإدارة، وبأن هؤلاء الصحفيين يوجهون اهتمامهم دائماً لما هو أبعد من حدود الحق المكفول للجمهور فيما يتصل بإلمامهم بالمعلومة والخبر. ولا يكف هؤلاء عن البحث الدائب عما يجري تشويهه من معلومات وأخبار، عبر عدسات الإدارة ومنظورها، الذي يصور الأشياء من خلال المصالح المشتركة المتبادلة بينها، والصحفيين المنتفعين من مزايا التعاون معها. ومهما يكن من أمر ما حدث بين الحاشية الإدارية وبعض الصحفيين والمصادر الإخبارية، فربما نكتشف أن الكل خاسر، لحظة النطق بالحكم النهائي في هذه القضية. تيم راتين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"