منذ أيام قليلة، حضرت ندوة حول "أزمة القراءة" في العالم العربي وعزوف المواطن العربي بشكل عام عن ممارسة هذا السلوك الحميد بشكل معتاد، ولكن سير المناقشات اختزل الأزمة في دولة الإمارات، وهذا كان مناسبا لي. وقد لاحظت في الحضور غياباً وعزوفاً ملموساً ليس فقط من الجماهير، بل أولئك الذين ينصبون أنفسهم من الـ"غيورين" على القارئ العربي والذين هم يتهمون بشكل دائم في مقالات رأي بأن الكتاب يعيش أزمة انعدام الرغبة في القراءة، ويتحدثون، في كتاباتهم، بشكل مستمر ومطول وضمن مقارنتهم مع الجانب الآخر، أن العرب أقل شعوب العالم قراءة. أغلبنا، كمواطنين عرب، يفرح بما يكتبه الكثيرون من أصحاب الأقلام الغيورة، حول أهمية تطوير أساليب وطرق القراءة، ويبعث هذا الأمر في دواخلنا بالارتياح خاصة عندما يشخصون أزمة القراءة وعزوفنا عن الكتاب، باعتبار أن ذلك أسلوب مهم لإنعاشه، مدركين ومقتنعين أن الذي يفعل ذلك إنما يتحرك عن وعي ورغبة في تطوير المواطن العربي وتنمية ثقافته، ولكن ما رأيته في ندوة "أزمة القراءة" في الوطن العربي والتي كشفت غياب هؤلاء الغيورين من هذا الحوار- فالحاضرون والذين لم يزد عددهم عن عشرة أشخاص أغلبهم من باحثين متخصصين في مراكز الدراسات وليسوا من أصحاب الثقافات العامة وهو الهدف الذي يسعى إليه المثقفون العرب- يؤكد أننا نعيش أيضاً أزمة عزوف المثقفين عن محاولة العلاج. غياب المثقفين عن ندوة لها علاقة مباشرة بالقراءة، غير المتخصصة، سواء أصحاب المكتبات العامة في الدولة أو أصحاب "الرواقات" والمنتديات الثقافية المنتشرة بالدولة لمناقشة قضية القراءة، هو بالطبع مشكلة تضاف إلى أزمة القراءة في العالم العربي. لا أدري إن كان من حسن الحظ أو من سوئه أن تنعقد هذه الندوة في يوم عطلة أسبوعية، حيث كنت أفترض كثافة الحضور، ولكن فراغ المقاعد كان واضحاً رغم أنني توقعت أن أجد القاعة مكتظة من كافة المهتمين بالقضية لأن الاهتمام الصادق بأي قضية ينعكس في حضور نخبها في المجتمع. وحقيقة، لم يدر بخلدي أن يكون الحضور في ندوة كهذه بهذا الضعف، فقد تصورت وأنا استعد للحضور أن الندوة ومناقشاتها ستضج بها القاعة وأنني لن أجد مكاناً بين الحاضرين إن أتيت متأخراً وتعجبت كثيراً عندما لم أجد من المثقفين أحداً وأن الحضور اقتصر على قلة قليلة من الباحثين والأمر الذي لم أستوعبه أيضاً غياب القطاع الخاص من الأشخاص المهتمين بالثقافة. إذا كان هؤلاء وهم المعنيون بمناقشة مثل هذه الفعاليات، فإنه لا يمكننا مستقبلاً الحديث عن أزمة القراءة لأنهم الأقدر على تحريك سكناتها وحلولها. القلق الصادق حول مشكلة أو قضية ما لا ينحصر فقط في تسليط الضوء عليها والتنظير حولها والقلق الصادق أيضاً أنك لا تنتظر دعوة كي تشارك بجدية في أي نشاط علمي يناقش المشكلة موضع قلقك، فهذا العذر قد يكون مقبولاً من الرسميين ولكن من النخبة ذات العلاقة فلا أظن أنه يحتاج إلى دعوة، لأن مثل هذا الشخص حتى لو أتته الدعوة فلن يحضر، ونحن نرى الكثيرين الذين يأتون لحضور الندوات والمؤتمرات، وبمجرد انتهاء مراسم الحفل الرئيسية للافتتاح لا يجلسون للاستماع والنقاش بل يسارعون إلى البحث عن أقرب باب للخروج! صاحب القضية الحقيقي هو من يبحث عنها، ولكن حضور الندوة كشف لي على الأقل أن مدعي الاهتمام بنشر القراءة والمعرفة ليسوا سوى منظرين لغيرهم وأثبت لي أن الذي نراه عند الآخرين ونطمح أن نصل إليه سيبقى بعيداً لأننا لا نريد أن نهيئ أنفسنا بعد. أمنية القراءة، للمواطن العربي، لن تتحقق طالما النخبة المثقفة لم تهبط من أبراجها العاجية لمناقشة أسباب أزمتها- أي النخبة- قبل مناقشة أزمة الخصام بين الكتاب وقرائه المفترضين من الخليج إلى المحيط. ومن دون ذلك ستبقى الكتب بالنسبة للكثيرين من العرب مجرد "ديكور" تتزين به المجالس الفخمة والمكاتب الأنيقة للبرهنة الخادعة على أن صاحب هذا الصالون أو ذلك المكتب، قارئ أو مثقف!