لم يكن رد الفعل محايداً عندما وجه ممثل الادعاء العام في ميونيخ الأسبوع الماضي لـ13 عميلاً من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إي" تهم خطف مواطن ألماني من أصل لبناني واستنطاقه في أفغانستان قبل أن يدركوا على ما يبدو أنهم اختطفوا الرجل الخطأ؛ إذ أيد الرأي العام الألماني بقوة قرار المدعي العام. فمنذ أن قرر "كريستيان شميت سومارفيلد" اتخاذ الخطوة غير المسبوقة، عبَّر كل من "اليمين" و"اليسار" في ألمانيا عن دعمه لمبادئ "حكم القانون" التي دفع بها الادعاء العام. وإضافة إلى ذلك، فقد كان موقف وسائل الإعلام موحداً أيضاً، حيث جاء في صحيفة "سدويتش زايتونج" المحسوبة على تيار "الوسط" في ألمانيا: "لقد انتصر النظام القضائي لحكم القانون. أما بخصوص ما إن كانت الحكومة ستتبع ذلك بخطوات في هذا الاتجاه، فتلك مسألة أخرى. ويتعين على برلين الآن أن تدفع باتجاه تسلم المختطفين، أو... محاكمتهم في الولايات المتحدة؛ بيد أنه من المستبعد أن تتحلى بهذا القدر من الشجاعة". يشير هذا التضامن إلى تحول في الموقف في أوروبا. ففي وقت يلوح فيه تغير الزعامات البريطانية والفرنسية في الأفق وتتأمل فيه العواصم الأوروبية علاقاتها مع الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد بوش، فإن بلاد "العم سام" تتوقع المزيد من "التراجع" من أوروبا. وعلاوة على ذلك، فإن معارضة الرأي العام الأوروبي لـ"الحرب على الإرهاب" التي تقودها الولايات المتحدة ما فتئت تزداد وتقوى. وفي هذا الإطار، يقول "فريديريك بوزو"، أستاذ الدراسات الأوروبية بجامعة السوربون في باريس: "إن ثمة هوة عميقة بين السياسات الحكومية والرأي العام في أوروبا، ولعل الرأي العام هنا بصدد تحديد الوجهة المقبلة حالياً"، مضيفاً "ولكن أوروبا لا ترغب في إحداث اختلال في التوازن مع الولايات المتحدة؛ ولذلك، فأنا لا أعتقد أن ثمة معارضة موحدة ضد الولايات المتحدة؛ إلا أن أوروبا بصدد تشكيل قاعدة لهويتها". "جوردون براون"، الذي من المتوقع أن يخلف توني بلير على رئاسة الوزراء في بريطانيا، عارض حرب العراق منذ البداية، ولم يخف نيته اتباع خط مستقل بخصوص "العلاقة الخاصة" التي تربط بلاده بالولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، يتوقع الكثيرون أن تنسحب القوات البريطانية من العراق بنهاية العام الحالي. أما في فرنسا، فقد قال "نيكولا ساركوزي"، المرشح للانتخابات الرئاسية المرتقبة الربيع المقبل والموالي للولايات المتحدة، في حوار صحفي معه الأسبوع الماضي إن على الأميركيين أن "يهتموا بالعالم، وحينها سيبدأ العالم يحبهم". الأكيد أن التعاون الأوروبي مع الولايات المتحدة بخصوص مجالات متعددة، مثل محاربة الإرهاب، قوي للغاية، حتى في فرنسا حيث تبنت حكومة شيراك موقفاً معارضاً لحرب العراق. إلا أن اللافت أن الأوروبيين يرفضون بشدة قبول عبارة ومفهوم "الحرب على الإرهاب"، وهي معارضة تمتد لتشمل تطبيقها في العراق. وقد سعى مسؤولو الاتحاد الأوروبي في بروكسل الأسبوع الماضي إلى تقليل كمية المعلومات التي تُقدَّم للوكالات الأميركية حول المسافرين عن طريق الجو الذين يغادرون أوروبا. وفي هذا السياق، يرى مسؤول مكلف بحماية البيانات في البنك المركزي الأوروبي أن ملايين المعلومات المالية التي ظلت ترسل بانتظام إلى الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر إنما تتعارض مع قوانين الخصوصية الأوروبية. وفي هذا السياق، يقول "بيتر هاستينكس"، المسؤول في بروكسل عن مراقبة بيانات الاتحاد الأوروبي: "إن الاستعمال السري والروتيني والكبير" من قبل الوكالات الأميركية للبيانات البنكية الأوروبية "أمر غير مقبول". ويزيد من هذا الشعور ويقويه اعتراف الأوروبيين بأن الولايات المتحدة تعرف تقلبات سياسية مع بدء موسم انتخابي جديد، وأن العد العكسي لنهاية فترة حكم بوش يبدو أنه بدأ في وقت توجد فيه الولايات المتحدة في موقف لا تحسد عليه في الخارج. فلطالما أثار الأساس القانوني الذي تستند إليه الولايات المتحدة لإقامة مراكز استنطاق في خليج جوانتنامو، على سبيل المثال، استياء الأوروبيين. وفي هذا الإطار، يقول "جورج لو جوييت"، من "معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية" في باريس "إن معظم الرأي العام الفرنسي، والكثير من المواطنين الألمان، وجزءاً كبيراً من الناخبين العماليين في بريطانيا، والأسبان، والآن الإيطاليين، لا يعارضون هذه السياسة فحسب، وإنما هم ضد أساس السياسة الأميركية برمته"، مضيفاً "إذ لا يمكن أن تقوم بعمليات الترحيل ويكون لك معتقل مثل جوانتنامو، وتتحدث في الوقت نفسه عن حقوق الإنسان. وذاك واضح بالنسبة للكثير منا". ومما يذكر في هذا السياق أن ممثلي الادعاء العام في إيطاليا حصلوا قبل عدة أشهر على مذكرة اعتقال 25 عضواً من فريق تابع لـ"سي آي إي" قام بخطف إمام في ميلانو. والواقع أن أوروبا ليست الوحيدة التي اختارت الحديث بحزم مع البيت الأبيض حول سياسته الخارجية. فعلى صدر صفحتها الأولى لعدد الخميس الماضي، نشرت صحيفة "بيبلز ديلي" الصينية مقالاً انتقد فيه مسؤول صيني الرئيس الأميركي بوش بسبب خطابه الناري الذي حوَّل الحرب في العراق إلى "حرب دينية". والواقع أن التعليق لم يكن مسبوقاً، حيث لم يعهد المراقبون تعليقاً من هذا النوع من بلد يحرص كثيراً على الحفاظ على اللياقة الرسمية. وعودة إلى قضية عمليات الترحيل القسري في ميونيخ، التي أُعلن عنها في 31 من يناير، يتهم عملاء "السي آي إي" الثلاثة عشر باعتقال المواطن الألماني خالد المصري في مقدونيا عام 2004 قبل أن يقتادوه إلى سجن أفغاني يدعى "الحفرة المالحة". وبعد أن أدركوا أنه ليس الرجل الذي يبحثون عنه، تركوه، بعد مرور خمسة أشهر على اعتقاله، في سفح تل في ألبانيا، محذرين إياه من مغبة الحديث عن تجربته لأحد. بيد أن المصري لم يتوانَ في رفع دعوى قضائية في إحدى محاكم فرجينيا، ولكن الدعوى أُسقطت لاحقاً بحجة أن من شأن المحاكمة تعريض العمليات الأمنية الأميركية للخطر. غير أنه بفضل مساعدة الشرطة الأسبانية، تمكن ممثلو الادعاء العام الألمان من اكتشاف هوية العملاء الأميركيين عن طريق سجلات الطيران والفنادق في "بالما دي مايوركا"، حيث توقفوا للاستجمام. ــــــــــــــــــــــــ مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في باريس ــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"