في تقديري، أن السؤال الذي سيظل يلحُّ على مجموعة الدول العربية المكونة من دول الخليج ومصر والأردن، خلال الشهور المقبلة، يتصل بمطلبها الذي تم شرحه لوزيرة الخارجية الأميركية في جولتها الأخيرة، وهو مطلب تسريع "خريطة الطريق" وفتح أفق التسوية النهائية خلال عام 2007. لقد اكتسب هذا السؤال أهمية متزايدة لدى العرب ويجب أن يتحول إلى مركز تكثيف إعلامي بالتوازي مع عناية السياسيين في ضوء التطورات الإقليمية الجارية التي تشير إلى احتمالات وقوع مواجهة عسكرية أميركية- إيرانية. إن إحدى مراحل الإجابة على السؤال هي المرحلة الراهنة التي شهدت اجتماعات اللجنة الرباعية الدولية في واشنطن، فمن حقنا أن نتابع مدى اقتناع الإدارة الأميركية بالمطلب العربي وما إذا كانت قد تبنته وعبرت عنه في اللجنة المسؤولة عن تنفيذ "خريطة الطريق" أم لا. من الإشارات المبشرة أولياً، تلك الإشارة التي وجهها البيان الصادر عن اجتماع الرباعية بالجهود الأميركية لتسريع تنفيذ "خريطة الطريق"، فهذا البيان يعني أن الشركاء الثلاثة الآخرين قد استشعروا اهتمام وزيرة الخارجية الأميركية بمطلب العرب في التسريع. هذا بالإضافة طبعاً إلى الإشارة التي وردت في حديث الوزيرة عندما قالت: "إن تسوية قضايا الحل النهائي أمر أساسي قبل إقامة الدولة الفلسطينية". وهي الإشارة التي عززتها عندما تحدثت إلى الصحفيين قائلة: إن العمل الآن هو في مراحله الأولية نحو تحقيق هدف إقامة دولة فلسطينية، والذي يجب أن يسبقه تدعيم وبناء المؤسسات الفلسطينية والاتفاق على صيغة أمنية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وتسوية قضايا الحل النهائي وبينها القدس ومشكلة اللاجئين وترسيم الحدود. إن هذه الصياغة من جانب رايس بقدر ما توحي بالاستبشار المبدئي بتبنيها للمطلب العربي، تفتح أمامنا سؤالاً حول درجة هذا التبني وجديته. ذلك أن كل ما ذكرته رايس فيما عدا الحديث عن التسريع يندرج في الترتيبات الأصلية المنصوص عليها في "خريطة الطريق". وبالتالي فإن قياس درجة تبني رايس للمطلب العربي في السير في مراحل الخريطة بالتوازي بين المرحلة الأولى والمرحلة الثالثة لبلورة صورة الحل النهائي بحيث تتبين الأطراف معالم المرحلة الأخيرة، وهي تتقدم على ترتيبات المرحلة الأولى، وبما يسمح للشعب الفلسطيني برؤية النور في نهاية النفق قبل أن يخطو إلى داخله.. هو قياس يحتاج إلى درجة أعلى من الصياغة الأميركية الواضحة التي تحتاج إلى بعض الوقت. إن اجتماعاً سيعقد هذا الأسبوع بين وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط ورئيس المخابرات العامة المصرية الوزير عمر سليمان وبين أركان الإدارة الأميركية، وفي ضوء المعلومات المتاحة فإن الوزيرين المصريين سيحملان معهما التصور العربي لمعالم الحل النهائي، غير أنه من غير المتوقع أن تفصح واشنطن على نحو عاجل، عن تبنيها الصريح والدقيق للمطلب العربي الخاص بالمزج بين مراحل "خريطة الطريق" من ناحية وقبولها للتصور العربي للحدود التي ستقام عليها الدولة، وهي خطوط الرابع من يوينو 1967. قد ننتظر إلى جولة رايس الجديدة في الشرق الأوسط وإلى اجتماعها مع أولمرت ومحمود عباس، لكي نسمع صياغات أميركية دقيقة تسمح لنا بقياس مدى قبول واشنطن للمطلب والتصور العربيين. إن المهم هنا بالنسبة لي ككاتب عربي، هو أن أؤكد أن منهج الحلول المرحلية قد انتهى بالنظر إلى سوابقه الفاشلة منذ "أوسلو" وحتى اليوم، وأن الدفع الذي تقوم به المجموعة العربية هو دفع صحيح يمثل طوق نجاة لعملية السلام التي توشك على الاختناق غرقاً في مستنقع المماطلات والأطماع الإسرائيلية وأطروحات الانطواء والانسحاب من جانب واحد التي أرساها شارون وتبناها حزب "كاديما" وريثه في الحكم. وبالتالي فإن مهمة مساندة المطلب السياسي العربي في دمج مراحل "خريطة الطريق" من ناحية ودعم التصور العربي حول حدود الدولة الفلسطينية من ناحية ثانية، يمثلان واجباً أرجو ألا تلهي الكتّاب العرب عنه سائر التطورات الإقليمية. لقد عاش جيل عربي حياته كاملة مقاتلاً وحالماً برؤية الدولة الفلسطينية المستقلة، وهو جيل مطالب اليوم بإحياء الحلم لدى الرأي العام حتى لا يطمسه الإسرائيليون من جديد في غياب الاهتمام الشعبي عنه.