بدلاً من قبول السقف الأعلى الإجباري للانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري، تقترح إدارة بوش اليوم محاربة الاحترار الأرضي عن طريق نشر مرايا ضخمة بهدف عكس أشعة الشمس إلى الفضاء الخارجي. وخلال السنوات الست الماضية، حرص الرئيس بوش على التلميح إلى أنه إذا كان المرء يشعر بالضيق والحرارة، فلابد أن السبب يكمن في أنه منزعج من إدارته، وأن السبب لا يمكن بكل تأكيد أن يكون الاحترار الأرضي. أما اليوم، فيبدو أنه قد غير موقفه. مؤخراً، قدم "الفريق الدولي لدراسة تغير المناخ" التابع للأمم المتحدة تقريراً جديداً عن تغير المناخ؛ وتشير تقارير وسائل الإعلام إلى أن الإدارة الأميركية قررت ألا تتحدى الخلاصات الرئيسية للتقرير. والحقيقة أن هذه الاستخلاصات تبعث على الخوف؛ إذ توقع الفريق -الذي يتألف من 2500 عالم من 130 دولة- في مسودة تقريره أن ترتفع درجات حرارة العالم بـ5.4 درجة فهرنهايت، مما سيتسبب في ذوبان ثلوج القطبين؛ وبالتالي، ارتفاع مستويات البحار في معظم أرجاء العالم. وعليه، فربما علينا أن نقول وداعاً لمنازلنا الشاطئية! مسودة تقرير الفريق الدولي خلصت إلى أن ثمة احتمالاً بنسبة 90 في المئة بأن يكون النشاط الإنساني وراء الاحترار الأرضي. نعم، عليك أنت سائق سيارة "الهامر" أن تتعود على الجو الغريب! إذ علينا جميعاً أن نتوقع من الآن فصاعداً امتداد فترات الجفاف، والفيضانات، والرياح الموسمية القوية، والأعاصير التي يرتقب أن تشتد بشكل تصاعدي، واجتياحات ممكنة للضفادع والجراد أيضاً. فمن يدري؟ قد تتذكرون أن هذه الإدارة سخرت إمكانيات ووسائل مهمة لإخراس العلماء الذين يتجرأون على استعمال عبارات من قبيل "الاحترار الأرضي". فقد بحثت لجنة مراقبة التدبير وإصلاحه التابعة لمجلس النواب الأميركي مؤخراً خلاصات استبيان طال المئات من العلماء الحكوميين وأشرفت عليه منظمتان مستقلتان؛ فتحدث المستجوبون عن 435 حالة من حالات التدخل السياسي في عملهم. وبالتالي، فإن قرار إدارة بوش القاضي بعدم الطعن في الخلاصات العلمية الرئيسية للفريق الدولي تكتسي دلالة كبيرة، وإن كانت واشنطن قد انتقدت مسودة التقرير كون هذه المسودة "تركز على الآثار السلبية لتغير المناخ". والواقع أن الإدارة الأميركية في الماضي ما كانت لتقف عند هذا الحد؛ ولما تردد نائب الرئيس ديك تشيني في وصف العلماء الألفين وخمسمائة، الذين يشكلون "الفريق الحكومي الدولي لدراسة تغير المناخ"، بـ"المقاتلين الأعداء"، وإرسالهم إلى معتقل غوانتنامو. ما الذي يقف وراء هذا التغير في الموقف؟ انتكاسة "الجمهوريين" في انتخابات نوفمبر الماضي؟ أم تزايد القلق في أوساط قطاع الشركات إزاء التأثيرات الاقتصادية لتغير المناخ؟ أم تنامي الوعي داخل الجيش وأجهزة الاستخبارات بتأثير الاحترار الأرضي على الأمن القومي؟ مهما يكن السبب، فإن الأكيد أن هذا التغير يعد خبراً ساراً. ولكن علينا ألا نفرط في الفرح، فثمة أخبار سيئة أيضاً؛ ذلك أن إقرار الإدارة على مضض بإمكانية، أقول إمكانية، وجود سبب للاحترار الأرضي لا يعني أنها تنوي تأييد فرض سقف أعلى لانبعاثات الكربون، والذي يُجمع معظم العلماء على أنه ضروري من أجل الحد بشكل جاد من الاحترار الأرضي. وبدلاً من ذلك، تفتقت عبقرية الإدارة عن مخطط فريد لمحاربة الاحترار الأرضي. فمثلما أشار إلى ذلك الرئيس في خطابه حول "حالة الاتحاد"، فإننا سنحاول الانتقال إلى مصادر طاقة بديلة تنتج كمية أقل من غاز ثاني أكسيد الكربون. أما في حال لم ينجح ذلك، فسنلجأ حينها إلى سلاحنا السري: إذ سنعمل على التقليل من أشعة الشمس التي تصل إلى كوكب الأرض عبر نصب مرايا ضخمة مقابل الشمس. وحسبما قيل، فإن الإدارة الأميركية تضغط في اتجاه حمل الفريق الدولي على أن يُضمن في تقريره انتقادات للسقف الإجباري للانبعاثات المفروض من قبل بروتوكول كيوتو (والذي ما زال ممقوتاً من قبل البيت الأبيض). كما ترغب الإدارة في إضافة إشارة إلى أن المرايا الفضائية وغيرها من التقنيات الأخرى الرامية لـ"تعديل الأشعة الشمسية" من شأنها توفير "تأمين" ضد الاحترار الأرضي. والحقيقة أن الفكرة ليست فكرة مجنونة بالكامل؛ حيث ينكب بعض العلماء حالياً على بحث طرق بديلة للتحكم في المناخ العالمي باستعمال وسائل مختلفة من البالونات البراقة إلى المرايا الفضائية العملاقة، التي يبدو أنها المفضلة حتى الآن من قبل إدارة بوش. أما تفسير ذلك، فهو كالتالي: فمثلما أن الرحل في الصحاري الحارة يرتدون ملابس بيضاء لعكس حرارة الشمس، يمكن لكوكب الأرض أن يرتدي ثوباً عاكساً تلافياً لارتفاع حرارته. وفي حال أمكن تعديل المرايا بشكل مستمر، فإنها ستكون شبيهة في تلك الحالة بـ"تيرموستات" عالمي. بيد أن هذه التكنولوجيات، ومثلما جاء في مسودة تقرير الفريق الدولي، "ما زالت في طور التكهن، كما أن تكلفتها غير معروفة، وتنطوي على آثار جانبية محتملة". والواقع أنه ليس ضرورياً أن يكون المرء من عشاق الخيال العلمي كي يستطيع تخيل إحدى هذه العواقب: علة فضائية، أو أشياء سيئة تحدث في أماكن أخرى من المجرة عندما نبدأ في إرسال المزيد من الضوء، أو، ولعل ذلك الأكثر إثارة للخوف على الإطلاق، التحكم في تغيير المناخ فوق إحدى المناطق كطريقة للهيمنة السياسية. (ولنتخيل تشيني متحكماً في ثيرموستات العالم!). إننا في هذا الوقت الذي ترتفع فيه حرارة العالم في حاجة إلى كل المساعدات التي يمكننا الحصول عليها. وعليه، وبالرغم من كل الأخطار، فإنني أؤيد إجراء بحوث حول مرايا فضائية عملاقة، على أن ندرك أن البحث في تكنولوجيات مستقبلية لا يعفينا من تحديد سقف إجباري للانبعاثات اليوم. أما الآن، فلنكتف بوضع مرايا على أسطح سيارة "الهامر" تلك! وذاك أضعف الإيمان. روزا بروكس ــــــــــــــــــ كاتبة ومحللة سياسية أميركية ــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"