يمثل "جلين بيك" اتجاهاً مقلقاً للغاية في الصحافة التلفزيونية الأميركية. فمنذ مايو 2006 أصبح لهذا الرجل الذي كان يعمل مقدماً للبرامج الحوارية الإذاعية، برنامج مسائي مدته ساعة في قناة الأخبار الرئيسية بمحطة "سي.إن.إن". وعلى الرغم من أن المحطة كانت تأمل أن يؤدي أسلوب "بيك" المبهرج إلى رفع نسبة الإقبال على المحطة، فإن الخسارة التي لحقت بمصداقيتها كانت هائلة في الحقيقة. ومن المهم أن نوضح منذ البداية أن "بيك" ليس نسيجاً وحده في ذلك؛ إذ إنه من المعروف أن مشاركة شخصيات ومقدمي البرامج الإذاعية في المحطات التلفزيونية الخبرية العامة، أمر ليس بالجديد بل يحدث منذ سنوات عديدة إلى درجة يمكن معها القول إن أساليب هؤلاء المقدمين الساذجة، وتعليقاتهم الطائشة، وتقمصهم لدور الرجل العادي، وخطابهم الناري القائم على وضع أميركا كلها "في مواجهة الآخرين"، قد أصبحت الآن من السمات الثابتة في البرامج الحوارية التي تقدمها شبكات التلفاز الرئيسية. فعندما يشير "بيك" إلى بوش بلقب "الغبي"، وعندما يشير إلى زعماء دول مهمة ترتبط بها الولايات المتحدة بأنهم "حمقى"، فإن معنى ذلك أن المناقشة الحرة الرصينة، قد توارت لتخلي مكانها لنوع من الطعن الفج الرخيص. وهناك مشكلة إضافية تتعلق بتلك النوعية من البرنامج.. فبدلاً من توعية الناس، فإن هذا النوع من "الخبراء" يلوون أعناق الموضوعات كي يفرضوا تحيزاتهم وأفكارهم النمطية المعدة مسبقاً على المشاهدين. وهم يتبعون في ذلك أساليب معروفة حيث يقول واحد منهم مثل "بيك" على سبيل المثال أثناء أحد البرامج التي يقدمها: "أنا لست خبيراً ولا حُجة في هذا الموضوع"، ثم يبدأ بعد ذلك في الدفاع عن قضيته باستخدام خليط من الأدلة والأكليشيهات المتداولة التي تعكس تحيزات واضحة. وعلى رغم أن ذلك لا ينطبق على "بيك" تحديداً، وإنما هناك في الحقيقة عدد من مقدمي البرامج التلفزيونية الذين يلجأون إلى فعل الشيء ذاته، فإن "بيك" يقوم به بشكل يختلف عن الآخرين. فعندما راجعت نص الحلقات التي يقدمها "بيك" في إطار ما يطلق عليه الحملة الشاملة ضد الإسلام المتعصب، تبينت لي من خلال تلك المراجعة أشياء أصابتني بالفزع في الحقيقة وجعلتني أكثر قلقاً مما كنت عليه. لقد تبين لي مثلاً أنه على رغم أن "بيك" يُصر في كل مرة يقدم فيها برنامجه على أنه ليس ضد المسلمين، وإنما هو ضد الـ10% المتعصبين منهم، إلا أنه كان يعود بعد ذلك ليقول إن الـ90% من المسلمين بسكوتهم -بتأثير الخوف ممن يمثلون نسبة الـ10%- يعتبرون مسؤولين هم الآخرون، وأن الإسلام الراديكالي لن يكون ممكناً إلحاق الهزيمة به إلا عندما يحتج المسلمون المعتدلون ضد المسلمين المتعصبين ويخلصون العالم من ويلاتهم. والغرض من كل هذا اللف والدوران في حديث "بيك" أن المسلمين كلهم ومن دون استثناء يستحقون اللوم. وعندما أبديت قلقي من ذلك، ومن أشياء أخرى مماثلة منها استعانة برنامج "صباح الخير أميركا" الذي تذيعه محطة "آيه.بي.سي" بـ"بيك" للتعليق فيه على رغم أن هذا البرنامج يعد من البرامج المحترمة، فإنني تعرضت لوابل من الرسائل الإليكترونية التي تضمنت شتائم واتهامات منها على سبيل المثال أنني "لا أنتمي لأميركا" (في حين أن عائلتي تعيش هنا منذ أكثر من مئة عام، وخدم أفرادها في كافة فروع القوات المسلحة الأميركية)، و"أنني أحمي الإرهابيين برفضي الاحتجاج عليهم" (وهذا أيضاً ليس صحيحاً حيث من المؤكد أن من كتب هذا لم يقرأ المقالات العديدة التي كتبتها للتنديد بالإرهاب والإرهابيين). وهذا تحديداً هو الذي يقلقني. فنحن الآن منخرطون في حرب حامية الوطيس ضد التطرف وقودها الحماسة الدينية من جانبنا ومن جانبهم. وما تحتاجه هذه الفترة، ويحتاجه هذا الصراع هو مناقشة ذكية، وليس خطاباً تهييجياً كما يحدث الآن. ولكي نستطيع معرفة اتجاهنا في دروب هذه المناقشة فإننا في حاجة إلى صحفيين كبار من شاكلة "والتر كرونكايت"، و"إدجار آر. مارو"، و"بيتر جينينجز"، وليس إلى مهيِّجين ومشعلي نيران مثل "شين هانيتي"، و"دون إموس"، و"جلين بيك". وللأسف الشديد فإن الصحفيين الموجودين لدينا في الوقت الراهن ينتمون في أكثريتهم إلى النوع الثاني وليس إلى النوع الأول، وهذا هو ما أجده مقلقاً للغاية. جيمس زغبي رئيس المعهد العربي الأميركي- واشنطن