بعد عقود من الجهود السرية، يتوقع المراقبون أن تعلن إيران خلال الأيام القليلة المقبلة عن نجاحها في تحقيق قفزة نوعية إلى الأمام في مجال تخصيب اليورانيوم على نطاق صناعي. ولئن كان هذا التحدي الإيراني سينظر إليه من قبل قادة النظام في طهران على أنه خطوة تقنية مهمة، فإن الدول المجاورة، من ناحيتها، ستستنكر الخطر النووي الإيراني وتعلن عن مخاوفها على مستقبل المنطقة. ومع ذلك يرى الكثير من الخبراء النوويين في الوقت الراهن أن الأنشطة الإيرانية المحمومة الجارية لتخصيب اليورانيوم في محطة "ناتانز" قد لا تكون أكثر من استعراض سياسي. فالعراقيل الكثيرة والإخفاقات المتكررة التي ما فتئ يواجهها البرنامج التجريبي لطهران توحي بأن ما يُقال علناً يفوق بكثير المهارة التقنية على أرض الواقع. وهذه المشاكل التي تعترض برنامج التخصيب الإيراني هي ما يعطي زخماً لتقديرات الاستخبارات الأميركية بأنه مازالت أمام طهران أربع سنوات على الأقل قبل التمكن من إنتاج السلاح النووي. وقد أعلن مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بعد أسابيع من التضييق على أنشطتهم داخل إيران، أن هذه الأخيرة نجحت في تصنيع بعض الأجزاء من ثلاثة آلاف جهاز طرد مركزي قادرة على تحويل اليورانيوم إلى وقود لتشغيل المحطات النووية، أو إنتاج القنبلة النووية. وقد شرع الإيرانيون خلال الأيام القليلة الماضية في تركيب الأجهزة ووضعها في محطة "ناتانز" المخبأة تحت الأرض، علماً بأنها تشكل هدفاً أساسياً لأي ضربة عسكرية محتملة تقوم بها الولايات المتحدة، أو أحد حلفائها إذا ما تبين أن الدبلوماسية لن تحول دون حصول إيران على القنبلة النووية. والواقع أن ما يُحجم الإيرانيون عن التصريح به، حسب أقوال الخبراء الذين أتيح لهم الاطلاع عن معلومات وكالة الطاقة الذرية، هو الصعوبات التي يلاقونها في تشغيل أجهزة الطرد المركزي والنجاح المحدود لجهودهم في هذا المجال، حيث تم تأجيل التطرق إلى الموضوع من قبل القادة الإيرانيين وفضلوا القفز إلى الخطوة التالية. فتخصيب اليورانيوم على نطاق صناعي يتطلب تدوير أجهزة الطرد المركزي بسرعة عالية لمدة أشهر متتالية دون توقف، غير أن التقرير الأخير الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة الدولية في شهر ديسمبر الماضي يشير إلى أن الآلات البدائية التي يعتمد عليها البرنامج النووي الإيراني التجريبي لا تُشغل إلا في فترات متباعدة لا تتيح تخصيب سوى كميات ضئيلة من اليورانيوم. كما أن الإيرانيين لم ينجحوا سوى في تركيب مجموعتين من المجموعات الست التي تضم 164 جهازاً للطرد المركزي في المحطة التجريبية بموقع "ناتانز". وفي هذا الإطار يقول "مارك فيتزباتريك"، وهو زميل بارز في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية "يبدو أن الأمر سياسي أكثر منه شيئاً آخر، اللهم إلا إذا كانت إيران حققت تقدماً لا نعلمه". وتأتي ادعاءات إيران بشأن برنامجها النووي وسط المناورات السياسية الجارية حالياً بين ملالي طهران من جهة وإدارة الرئيس بوش من جهة أخرى والتي تنصب حول جملة من القضايا من بينها البرنامج النووي ودور إيران في العراق، ثم تطلعها للتحول إلى قوة مهيمنة في الشرق الأوسط. وقد تصاعدت نذر المواجهة في الآونة الأخيرة إلى مستويات غير مسبوقة، ما دفع بوزير الدفاع الجديد "روبرت جيتس" المطلع على خفايا الملف النووي الإيراني من أيام منصبه السابق كمدير لوكالة الاستخبارات المركزية، إلى نفي ذلك يوم الجمعة الماضي قائلاً "إننا لا نخطط للدخول في حرب مع إيران". ويؤكد خبراء في المجال النووي من خارج الحكومة الأميركية أنه في حال نجحت إيران، من خلال تحركها الأخير الرامي إلى تركيب عدد إضافي من أجهزة الطرد المركزي، في تخصيب كميات كبيرة من اليورانيوم، متحدية بذلك مطالب الأمم المتحدة بوقف أنشطتها، فإنها ستتمكن من إنتاج القنبلة النووية خلال ثلاث إلى أربع سنوات وبوتيرة أسرع مما تتوقع التقديرات الاستخباراتية الأميركية. ومع ذلك تحمل التصريحات الإيرانية حول التقدم المحرز في جهود تخصيب اليورانيوم جرعات عالية من المناورة السياسية الداخلية، والمبالغات. فالرئيس محمود أحمدي نجاد، الذي يعكس وجه التحدي الإيراني، يواجه ضغوطاً داخلية متصاعدة بسبب نسبة البطالة المرتفعة، والعقوبات الاقتصادية المفروضة على بلاده. ويعتبر الرئيس بوش وبعض مستشاريه أن أحمدي نجاد يستغل التوتر الحالي مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي لبلاده من أجل تحسين موقعه السياسي في الداخل. وإذا ما أضفنا هذا العامل إلى المعلومات المتوافرة حول الصعوبات التقنية التي تواجه عملية التخصيب، يشير ذلك إلى أن البرنامج النووي الإيراني موجه في الحقيقة لتعزيز النفوذ السياسي الإيراني بقدر ما هو موجه لتخصيب اليورانيوم. وفي موقع "ناتانز" الصحراوي إلى الجنوب من طهران، حيث يعمل الطاقم التقني الإيراني على تركيب أجهزة الطرد المركزي تنتشر الأسلاك الشائكة والمدافع المضادة للطائرات، فضلاً عن غابة من البنايات. أما البنايتان المخصصتان لعملية التخصيب والمتواجدتان عميقاً تحت الأرض تفادياً لضربات جوية، فإن مساحتهما معاً تساوي تقريباً نصف مساحة مبنى البنتاجون. ويعكف الطاقم الإيراني حالياً على تثبيت الأنابيب، ومد الأسلاك لربط أجهزة الطرد المركزي مع بعضها بعضاً لتشكيل مجموعة مترابطة من الآلات تدور بالتوازي لتخصيب كميات أكبر من اليورانيوم. وحسب أحد الدبلوماسيين الأوروبيين يعمل الإيرانيون في هذه المرحلة على تشغيل المجموعة الأولى من أجهزة الطرد المركزي. وأضاف الدبلوماسي الأوروبي، الذي رفض الكشف عن هويته، بأن المفتشين الدوليين الذي عادوا من مهمتهم في طهران شاهدوا ثلاثة آلاف جهاز طرد مركزي من الطراز القديم والبدائي يعرف باسم "P1" نسبة إلى باكستان، وهو ما يؤكد حصول إيران على تصميمات أجهزة الطرد المركزي من شبكة "عبدالقدير خان"، رائد البرنامج النووي الباكستاني. وفي العام الماضي أعلن محمود أحمدي نجاد أن الإيرانيين يعملون على أجهزة جديدة للطرد المركزي أكثر تطوراً من تلك القديمة وتعرف باسم P2 تتميز بقدرتها على تخصيب اليورانيوم بسرعة أكبر. ويؤكد المسؤولون الإيرانيون أن بلادهم تعتزم زيادة عدد أجهزة الطرد المركزي المتواجدة في موقع "ناتانز" من 3 آلاف إلى 54 ألف جهاز، وهو ما يتيح تخصيب ما يناهز طناً من اليورانيوم وبالتالي تسهيل عملية إنتاج القنبلة النووية. لكن "فيتزباتريك"، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية والمتخصص في عدم الانتشار النووي، يرى أنه من غير المنطقي أن تسعى إيران إلى زيادة عدد أجهزة الطرد المركزي، بينما تعجز عن تشغيل العدد المتوفر لديها حالياً. ويليام برواد، وديفيد سنجر محررا الشؤون الخارجية في "نيويورك تايمز" ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"