"صحيح كل ما سمعتموه وقرأتموه... وإنني لجد آسف على ذلك". من هو قائل هذه العبارات يا ترى؟ إنها شخصيات قيادية أميركية ودولية كثيرة، في مقدمتها الرئيس الأميركي بوش، حسبما أورد التقرير الاستخباراتي الجديد عن العراق. وكذلك وردت العبارة ذاتها على لسان ما يلي من بقية الشخصيات. فقد قالها السيناتور "جوزيف بايدن"، معتذراً عن نرجسيته وتضخيم ذاته وإطالة الحديث عنها. وقالتها كذلك وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، وهي تتحدث عن قدرتها على فهم واستيعاب نقاط ضعف "بيتون ماننج"، ووصفها إياها بأنها أفضل حالاً من تلك المنسوبة لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي. ووردت العبارة كذلك على لسان "سيلفيو بيرلسكوني"، في معرض الرد على اكتشاف زوجته لحقيقة فضائحه الغرامية العلنية. أما الرئيس الفرنسي جاك شيراك، فقد وردت العبارة على لسانه هو الآخر، اعتذاراً عن تساهله واستهانته باحتمال حصول إيران على أسلحتها النووية بطريق غير شرعي. وتلك هي السيناتور هيلاري كلينتون وقد رددت ذات العبارة، اعتذاراً كما قالت، عن تمكينها الرئيس بوش من غزوه للعراق، بمؤازرتها له قبل شن الحرب. أما السيناتور والمرشح "الديمقراطي" الرئاسي، باراك أوباما، فقد وردت على لسانه العبارة، من باب اعتذاره عن كونه ليس أسود ولا أبيض اللون بما يكفي، فذلك هو إثمه الذي لا يغتفر على حد قوله. ولم تؤكد ماري تشيني صحة كل ما قيل وتعتذر عنه، إلا لانضمامها للعمل في حملة والدها المريعة القائمة على التمييز بين الجنسين، مفضلة إياها على ما وصفته بالرعب الذي تثيره حملة منافسه "الديمقراطي" جون كيري. وأخيراً ردد العبارة نفسها "جافين نيوسوم"، حاكم ولاية سان فرانسيسكو، معتذراً بها عن العلاقة الغرامية المريبة التي ربطت بينه مؤخراً وبين زوجة مدير حملته الانتخابية. وفي التعليق على كل هذا، فما أندر الحصول على اعتذار مباشر بسيط، في الحالات التي عادة ما يغلب عليها السلوك الغامض والملتوي عادةً. فحتى في أعقاب نشر تقرير جد متشائم، يصلح أن يحمل عنوان "العراق"، وجدنا أنفسنا عالقين ومخدوعين، بسبب هذا السلوك الملتوي من قبل مسؤولي إدارة بوش، الذين واصلوا تشبثهم بالواقع الوهمي المعشعش في أذهانهم، واستمروا في اجترارهم لذات المنطق الأعرج المعوج، والتقاط كل ما من شأنه إعانتهم في التقرير الاستخباراتي المذكور، لتحقيق هدفهم الرامي لزيادة عدد قواتنا في العراق. وضمن هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن وثيقة "التقديرات الأمنية القومية لعام 2004" كانت قد أشارت إلى أن اندلاع الحرب الأهلية في بلاد الرافدين، يُعد السيناريو الأسوأ على الإطلاق. أما في تقرير عام 2007، فقد تجاوز العراق مرحلة الحرب الأهلية إلى ما هو أسوأ منها بكثير. ذلك أن في تقدير الوسط الاستخباراتي أن مصطلح "الحرب الأهلية" لم يعد كافياً لتوصيف الطبيعة المعقدة المتشابكة للنزاع الذي يشهده العراق حالياً. ويتألف هذا النزاع، من عناصر وأطراف شتى، منها حرب داخلية بين الشيعة والسُّنة، وأخرى يلتقي فيها المتمردون السُّنة بمقاتلي تنظيم "القاعدة" لشن هجمات مشتركة ضد قوات التحالف. ومنها كذلك تفشي السلوك الإجرامي الذي يغذيه ويشعل ناره العنف والإرهاب. وعلى حد تصريح "جون ماكلوكلين"، المدير السابق بالإنابة لوكالة الاستخبارات المركزية، لصحيفة "نيويورك تايمز" فإن الحرب الأهلية ليست سوى لعبة "الداما" العادية البسيطة، مقابل ما يجري فعلياً في العراق، وهو لا يقل عن لعبة الشطرنج، من حيث التعقيد والصعوبة بأي حال. وخلافاً لمزاعم ديك تشيني الواهمة عن إحراز "نجاح مهول" هناك، أو ما ورد من مزاعم شبيهة على لسان الجنرال ويليام كيسي، عن إحراز "تقدم بطيء" هناك، فقد جاء في التقرير الأخير المذكور، أن أي طريق تسلكه الولايات المتحدة في العراق، سيفضي إلى إراقة نهر من الدماء. وليس ذلك فحسب، بل لقد قدر التقرير أنه وفي ظل غياب قيادة سُنية وشيعية قادرة على كبح جماح المليشيات والسيطرة عليها، فإنه لا أمل يذكر لتشكيل حكومة وحدة وطنية بمعنى الكلمة، في حين تتضاءل أكثر من ذلك، فرص تحقيق الديمقراطية هناك. ويخلص التقرير إلى أنه وفيما لو تدهورت الأوضاع نحو الأسوأ، فإن هناك ثلاثة احتمالات كارثية مرتقبة للنهايات. أولها تفشي الفوضى والاضطرابات المؤدية إلى تقسيم العراق. وثانيها بروز شخصية شيعية قوية الشكيمة، بحيث تجمع بين خاصية العنف العرقي الطائفي من جهة، وتأجيج نار الاشتباكات والمواجهات الداخلية المدمرة من الجهة الأخرى. أما الاحتمال الثاني، فيرتبط بسابقه ويضعنا أمام أحد خيارين: إما الفوضى أو القبول بقائد جديد من طراز صدام حسين، بعد مضي أربع سنوات على الحرب التي شنت من أجل الإطاحة بصدام. يا له من إنجاز رائع إذن! وإلى ذلك، وفي وقت كهذا، سجلت إدارة بوش رقماً قياسياً غير مسبوق في تاريخ الميزانيات العسكرية، بمطالبتها بتخصيص مبلغ 100 مليار دولار لحربها في كل من أفغانستان والعراق لهذا العام وحده، إلى جانب مطالبتها بتخصيص مبلغ آخر قدره 145 مليار للعام المقبل. وربما كان في اعتقاد البيت الأبيض، مواصلة حربه هذه على العراق، حتى يبدو الأمر وكأن خوض عدة حروب في وقت واحد، أفضل من مجرد حرب أهلية واحدة، مثيرة للضيق والملل! ووفقاً للتقرير الاستخباراتي الرسمي المذكور آنفاً، فإن ما يحدث في العراق، لهو أعقد من الحرب الأهلية بكثير. والشاهد أننا اليوم في دوامة عنف، هي من السوء والتعقيد، بحيث لا يؤدي انسحابنا من هناك إلا إلى تدهورها نحو الأسوأ، بينما قد يؤدي بقاؤنا إلى النتيجة ذاتها. وفي كلتا الحالتين، فإن مأزقنا عظيم ولا مخرج منه فيما يبدو. مورين داود ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتبة ومحللة سياسية أميركية ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"