بدأتُ بتأليف كتابي: "الصراع على الإسلام" أثناء عملي أستاذاً زائراً للدراسات الإسلامية بجامعة هارفرد أواخر عام 2002. ومع أنه صدر أخيراً مطلع عام 2005، فقد ظلَّ المشهد الاستراتيجي الكبير يتملَّكُني. فقد فهمتُ الأمر وقتَها باعتباره صراعاً للقبض على روح الإسلام أو مرجعيته الشعورية واللاشعورية ومصالح شعوبه: بين الغرب كلِّه (وعلى رأسه الولايات المتحدة) من جهة، والأصوليات الإسلامية السُّنية -وبين تلك الأصوليات والأنظمة السائدة في ديار الإسلام- وأخيراً بين الأصوليات ذاتها، والبنى التقليدية وشبه التقليدية للمؤسسات الدينية والمجتمعية في بعض الدول العربية والإسلامية الكبرى. بيد أنّ أحداث السنتين الأخيرتين كشفت عن هواجس ومخاوف عميقة لدى الجمهور العربي والإسلامي الأَوسع ما حسبنا لها جميعاً حساباً صحيحاً، أو على الأقلّ ما قدَّرتُها أنا نفسي التقدير الحصيفَ والضروري. والذي أعنيه بالقصور الحاصل في الرؤية والتقدير: الضياع الكبير الذي أمسك بتلابيب سائر الفئات الاجتماعية، والنزاع السُّني/ الشيعي المتصاعد بسببٍ وبدون سبب. لقد بدا الضياعُ الهائلُ أول ما بدا في المجتمع العراقي، الذي تعرض للغزو والسحق، دون أن يتزعزع الانطباعُ لدى الكثرتين الشعبيتين الشيعية والكردية بأنّ الغزو الأميركي كان وما يزال لصالحهما، ولدى الأكثرية السُّنية العربية هناك، بأنها المستهدفةُ وحدها بالغزو الأميركي. لقد ألْهَتْنا لبعض الوقت فظائعُ الزرقاوي ومحازبيه عن الواقع الذي كان يتبلورُ على الأرض، والذي عمل الغُزاةُ بوعيٍ أو بدون وعيٍ على تثبيته وتنميته: حلُّوا بقايا الجيش العراقي، وشرَّدوا بقايا قوات الأمن، وانصرفوا بأعلى همّةٍ وعزم إلى بناء جيشٍ وقوات أمن طائفية، إلى جانب الميليشيات الشيعية والكردية التي جاءت معهم وانتشرت في سائر أنحاء البلاد. وما أنْ جاء عام 2006 حتى كان المجتمع العراقي الذي نعرفُهُ ويعرفُهُ العراقيون قد اختفى أو كاد. ومن لا يعرفُ التفاصيل عليه أن يقرأ كتاب بول بريمر الحاكم الأميركي الثاني للعراق بعد الغزو. إنها التجربةُ المرعبةُ التي يعرفُها عربُ المشرق للمرة الثانية بعد تدمير المجتمع الفلسطيني على أيدي الإسرائيليين بين عامي 1948 و1967. بيد أنّ العدوَّ في الحالتين: الفلسطينية والعراقية ملموسٌ ويمكنُ الإمساك بتلابيبه كما يقال. أمّا المُرعب فهو الانقساماتُ والانشقاقاتُ التي ظهرت في مجتمعاتٍ ما تعرضت لغزوٍ خارجي، مثل مصر والأردن وسوريا، حيث ظهرت شرائح متفاصلة ومنفصلة، تسودُ فيها رؤىً متناقضة عن المجتمع والدولة والدين والاستمرار وطرائق العيش وتدبير الأمور. ففي كثيرٍ من الحالات ما عادت المشكلة الرضا عن السلطة السياسية أو السخط عليها، بل الخلاف العميق حول المصائر، بحيث تحدَّث بعضُ المراقبين الأجانب تارةً عن أصولياتٍ متضاربة، وطوراً عن مجتمعاتٍ متنابذةٍ في البلد الواحد أو المدينة الواحدة. والمجتمع الفلسطينيُّ أو ما تبقى منه أو ما أُعيد إحياؤه منه خلال العقود الماضية في الضفة الغربية وغزة، شاهدٌ ساطعٌ على ذلك. قلتُ لباحثٍ فلسطينيٍ معروف على مشارف الانتخابات الفلسطينية قبل عام: إنني أخشى أن تزيد الانتخاباتُ من الانقسامات السياسية. فضحك مبتئِساً وقال: بل إنّ الانقسامات موجودة وعميقة وهي تتجاوز السياسي. وأضاف: أنا نفسي محتارٌ في التشخيص، فهناك شريحةٌ واسعةٌ من الناس عندنا ما عادت ترى في العدوّ الإسرائيلي مشكلتها الأولى، بل الثانية أو الثالثة. ولذلك فعندما اندلعت الاشتباكات الأخيرة بين "فتح" و"حماس" كلَّمني من إحدى الدول الأوروبية، وذكَّرني بالحديث الذي كنتُ قد نسيتُه. وأضاف زميلٌ كان حاضراً للمكالمة الهاتفية ساخراً: إنهم مختلفون يا أخي حول ما كنا نتحدثُ بيننا وبين الغربيين: مختلفون حول "رؤية العالم"! ورؤيةُ العالم مقولةٌ للفيلسوف الألماني فلهلم دلتاي، كنتُ قد استعنتُ بها في كتابيَّ "سياسيات الإسلام المعاصر" و"الصراع على الإسلام" لفهم الرؤى المتناقضة للوجود والقيم بين الغربيين والمسلمين، وبين الإحيائيين الإسلاميين، وبقية الجمهور في ديار العرب والمسلمين. ولندعْ "رؤية العالم" لبعض الوقت، ولنلتفت إلى الداء العياء الآخر: التنافُر السُّني/الشيعي. لقد اعتقدت دائماً أننا يمكن أن نجد له أسباباً ليست دائماً خارج حدود الإدراك في العراق مثل الاحتلال، ومثل الصراع على السلطة، ومثل الخطط لتصفية المناطق من أجل الفيدرالية. ويمكن أن نجد له عِللاً ليست خارج دائرة التعقُّل أيضاً في البحرين مثلاً. فالشيعةُ هناك أكثرية، ويريدون نصيباً متكافئاً مع عددهم في السلطة. أمّا ما لم أستطع فهمَهُ بالفعل فهو هذا الانقسامُ المتصاعدُ بين الطرفين في لبنان. فتاريخ لبنان الحديث الذي عرف انقساماتٍ وصلت إلى حروبٍ ما كانت بين السُّنة والشيعة. والحِصَصُ في السلطة السياسية مقسَّمة وما تذمَّر زعماءُ إحدى الطائفتين في العقدين الأخيرين من ضآلة حصتهم، وعندما كان أحد الطرفين يشكو بسبب عدم الحصول على هذا المنصب أو ذاك، كان الطرفُ الآخَرُ -تدفعُهُ العصبيةُ أو المصلحة السياسية- لدعم تلك الشكوى. كلُّ هذا الاستطراد للوصول إلى أنّ التنافُر الحاصلَ منذ أشهُر، والذي أوقع قتلى وجرحى، ما كان من الممكن تصورُهُ؛ إذ لا سبب له في الواقع أو الوعي أو "رؤية العالم" العظيمة. ومع ذلك فقد انصرفتُ في الأسابيع الماضية لمحاولة إيجاد أسبابٍ معقولةٍ له، ولا أدري إن كنتُ قد أصبْتُ. بعد اغتيال الرئيس الحريري ظهرت بوادرُ قلقٍ وتخوف لدى أهل السُّنة، لكن من النظام السوري. ثم ازداد هذا القَلَقُ بعدما أصرَّ "حزب الله" على التحالُف مع ذاك النظام، ثم كانت حربُ تموز وما تلاها من مُحاصرة "حزب الله" وحلفائه لرئاسة الحكومة التي يتولاّها سُنّي منذ الاستقلال، رغم استيلاء "حزب الله" وحلفائه على رئاسة مجلس النواب، ورئاسة الجمهورية، واستمرار الحيلولة دون إقرار قانون المحكمة الدولية في المؤسسات الدستورية اللبنانية. كلُّ ذلك أحدث قلقاً شديداً لدى السُّنيين، لكنْ أيضاً لدى كثرةٍ من المسيحيين. بيد أنّ القشّة التي قصمت ظهرت البعير، كما يقال عند العرب، كانت في إقبال الأمين العام لـ"حزب الله" -وهو يتمتع بتأييدٍ كاسحٍ في الأوساط الشعبية الشيعية- على تحشيد الجمهور الشيعي وتحريضه. قال أولاً إنّ "الفريق الحاكم" و"فريق السلطة" تواطأ أو تآمر مع الأميركيين ومع إسرائيل على الحزب أثناء الحرب، وإنّ حكومة السنيورة هي حكومةُ السفير الأميركي وليست حكومة لبنان. وقلنا: هذه تهمةٌ ظالمةٌ لكنها تهمةٌ سياسيةٌ يكثر إطلاق مثلها في الأوساط الشعبية العربية منذ عدة عقود. ثم زاد الرجل: إنّ حكومة السنيورة تُعيقُ عمليات إعادة الإعمار للمناطق التي دمرتْها إسرائيل! وقلنا: هذه تهمةٌ أشدُ ظلماً، لأنّ إعمار الجنوب والضاحية وبأموالٍ عربية جارٍ على قدمٍ وساق. ثم أطلق الأمين العامُّ للحزب تهمتيه الأخيرتين القاضيتين على إمكانية أي تسوية أو تأويل: هناك خطة أميركية لصنع شرق أوسط جديد ومن ضمنه تغيرات ديموغرافية أهمُّها عندنا: تهجير الشيعة من الجنوب وإحلال آخرين محلهم، والفريق الحاكم متواطئ في تنفيذ تلك الخطة الشنعاء! أما التهمةُ الأخيرةُ والتي قالها في مجال تحريم الحرب الأهلية: لو قتلوا منا ألفاً فلن نقع في الفتنة ولن نسْعى إليها. وهذا يعني -في نظره- أنّ "الفريق الحاكم" كما يقول يريد تهجير الشيعة وقتلهم! وهذا الرجل مسموع الكلمة إلى أكبر حدٍ وسط الجمهور الشيعي، وما حاول شيعيٌّ عاقلٌ من شتَّامي وليد جنبلاط وسعد الحريري وفؤاد السنيورة كلَّ يوم أن يقول له: ولا كلَّ هذا، وهل يمكن بعد كلّ ما قُلْتَهُ أن تقوم حكومة "وحدة وطنية" ، وكيف سيقبل الجمهور الشيعي الانضواء تحت لواء حكومةٍ فيها قتلَتُهُ ومهجِّروه؟! السُّنة إذن مستنفرون لما يعتبرونه مؤامرةً عليهم، والشيعة جرى استنفارهم للدفاع عن أنفُسِهِمْ ، فتصادم الجمهوران! لقد حاولتُ إيجاد أسبابٍ معقولةٍ للانقسامات السياسية والطائفية والمجتمعية في المشرق العربي على الخصوص. لكنني كلما رأيتُ متظاهراً أو متحدثاً في إحدى الفضائيات، وهو يكاد ينشفُ غيظاً، ويقتل مَنْ يواجهُهُ في الشارع أو في التلفزيون، ومن غير العراق أو لبنان أو فلسطين، أنسى كلَّ الأسباب المقبولة والمعقولة. هناك حالةُ غضبٍ هائل في المجتمعات العربية، ولاشكَّ أنها لا تقلُّ في الجزائر عنها في أي مكانٍ آخر بالمشرق. والبيئات مليئةٌ بالفرقة والانقسام والتطاحن. ومع ذلك فإنّ الدهشة ما تزال تستولي عليَّ لما يحدث بالسودان وبالعراق وبفلسطين وبلبنان!