في أغسطس المنصرم، وجدت قاضية فيدرالية أن رئيس الولايات المتحدة قام بخرق القانون وارتكاب جريمة خطيرة وانتهاك الدستور. لو كان الرئيس مواطناً عادياً –على سبيل المثال: شخص اتُّهم بالسطو على أحد البنوك مثلاً أو التملص من دفع الضرائب- لأخذت دواليب العدالة فوراً في الدوران، ولفتح مكتب التحقيقات الفيدرالي تحقيقاً في الموضوع، ولشُكلت هيئة للمحلفين، ولوُجهت التهم إلى الشخص المذكور. والحال أن وزارة العدل في عهد إدارة بوش الحالية لم ترسل أي عملاء من المكتب للبحث في ملفات البيت الأبيض، أو طرق أبواب بعض المكاتب والمنازل، كما لم يقم أي ممثل فيدرالي للادعاء العام برفع أية قضية تذكر. أما الحكم، فقد كان نتيجة قضية رفعها "اتحاد الحريات المدنية" الأميركي ضد "وكالة الأمن القومي"، في إطار رد فعله على ما ورد بصحيفة "نيويورك تايمز" في ديسمبر 2005، من معلومات تفيد بأن الوكالة قامت بمراقبة المكالمات الهاتفية والرسائل الإلكترونية للمواطنين الأميركيين، خلال فترة تزيد على أربع سنوات من دون الحصول مسبقاً على تراخيص من محكمة مراقبة الاستخبارات الخارجية، مثلما ينص على ذلك القانون. والحقيقة أن الرؤساء الأميركيين لم يكونوا في الماضي فوق القانون؛ فعندما أظهر مكتب التحقيقات الفيدرالي الدليل خلال فضيحة "ووترجيت" على أن "ريتشارد نيكسون" قام بعرقلة العدالة بمحاولته التستر على تورطه، تم تعيين ممثل للادعاء العام، وأوصت لجنة تابعة لمجلس النواب بعزل الرئيس. وعندما وجد مجلس مستقل الدليل على أن الرئيس بيل كلينتون كذب تحت القسم في قضية "مونيكا لوينسكي"، دارت دواليب آلة العزل، قبل أن يُحكم بتبرئة ساحته. عندما يخرق أحد القوانين، تقوم الحكومة الفيدرالية بالتحقيق، وتتم محاكمة الأفراد المتورطين -حتى وإن كانوا رؤساء- وإذا ثبت أنهم مذنبون، يعاقبون. وتلك هي الطريقة التي يفترض أن تأخذ مجراها تحت نظام الحكم الذي نتبعه في الولايات المتحدة؛ غير أن الأمر كان مختلفاً هذه المرة. ففي 17 أغسطس، أصدرت القاضية "أنا ديجس تايلور" حكمها في قضية "اتحاد الحريات المدنية الأميركي"، وجاء فيه أن الرئيس لم يخرق التعديلين الأول والرابع من الدستور فحسب، وإنما أيضاً القانون التشريعي، وقانون مراقبة الاستخبارات الخارجية، الذي اعتمده الكونجرس عام 1978 رداً على قيام "وكالة الأمن القومي" بالتنصت على أميركيين من دون ترخيص. وفي إطار ردع الإدارات الأميركية المقبلة عن القيام بأعمال مماثلة، جرَّم القانون خرق هذا القانون وحدد عقوبة خرقه في غرامة تصل إلى 10000 دولار وخمس سنوات في السجن. والحال أنه بالرغم من هذا الحكم، فإن وزارة العدل التابعة لإدارة الرئيس بوش لم تكلف نفسها عناء فتح أي تحقيق من قبل "مكتب التحقيقات الفيدرالي"، كما لم يُعيَّن أي ممثل للادعاء العام، ولم يَجرِ الحديث عن عزل الرئيس في الكونجرس الذي كان يسيطر عليه "الجمهوريون". محامو وزارة العدل جادلوا في يونيو المنصرم بأن الأذون القضائية ليست ضرورية بالنسبة لما سموه "برنامج مراقبة الإرهاب" الذي تتبعه الحكومة نظراً لـ"السلطات" التي يتمتع بها الرئيس في ما يتعلق بإصدار الأوامر بالتنصت، وللترخيص الصادر عن الكونجرس باستعمال القوة العسكرية ضد المسؤولين عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر. إلا أن القاضية "تايلور" رفضت كلا التعليلين على اعتبار أن الرؤساء مطالَبون أيضاً باحترام القانون التشريعي والدستور. وفي 17 من يناير الماضي، أعلن وزير العدل "ألبيرتو جونزاليس" على نحو مفاجئ أن الرئيس بوش قرر إنهاء برنامج التنصت، وضرورة الحصول على أذون قضائية في جميع الحالات. غير أنه من غير المعروف حتى الآن نوع التراخيص المطلوبة: فردية، مثلما ينص على ذلك القانون؛ أم شاملة، وهو ما يتنافى أيضاً مع القانون. ولعل الهدف من وراء هذا الإعلان هو تلافي إصدار محكمة الاستئناف لحكم قد يكون ضد إدارة بوش؛ حيث جادلت هذه الأخيرة بأن القضية أصبحت لاغية وينبغي إنهاؤها. والواقع أن المحكمة الفيدرالية ليست الوحيدة التي رأت حدوث خرق للقانون، وإنما الكثيرون في الكونجرس أيضاً. وفي هذا الإطار، قال رئيس اللجنة القضائية التابعة لمجلس الشيوخ "باتريك ليهي" من ولاية فيرمونت في جلسة 18 من يناير: "لعدة سنوات، قامت هذه الإدارة بالتنصت على الأميركيين من دون تراخيص، وذلك في تنافٍ تام مع القانون"، وهو رأي يوافقه رئيسُ لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ "جي روكفيلر" من ولاية "ويست فرجينيا" الذي قال: "على مدى خمس سنوات عمل بوش على إدارة برنامج غير قانوني". ومن جانبه، أشار السيناتور "آرلين سبيكتار"، العضو "الجمهوري" البارز في اللجنة القضائية، إلى أن الجزء الأعظم من الجمهور الأميركي يعارض برنامج التنصت، وإلى أنه يضر بالبلاد في الداخل مثلما يضر بصورتها خارجياً قائلاً إن "الانتقادات اللاذعة الذي لقيها الرئيس على خلفية البرنامج أضرت بالعملية السياسية وبسمعة البلاد". أن يُسمح للرئيس بخرق القانون وارتكاب جريمة لأكثر من خمس سنوات من دون فتح تحقيق مستقل رسمي يمثل قمة إضعاف الدستور وحكم القانون. وقد صدقت القاضية "تايلور" إذ قالت إنه "لا يوجد في أميركا ملوك يرثون الحكم". ـــــــــــــــــــــــــــ مؤلف كتابين حول وكالة الأمن القومي الأميركية "القصر اللغز" و"جهاز الأسرار" ـــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"