ما تعانيه حركات "الممانعة" في العالم العربيّ أقرب إلى محنة لا شفاء منها. هذا ما نراه اليوم بوضوح لا وضوح بعده في "المقاومة العراقيّة" التي ما لبثت أن تفرَّعت "مقاومتين" مذهبيّتين كلّ واحدة منهما تتفرّع، بدورها، "مقاومات" عدّة. ويقدّم "حزب الله" اللبنانيّ عيّنة أخرى على "ممانعة" تأدّى عنها استقطاب طائفيّ حادّ وضع الجماعات واحدتها في مقابل الأخرى، وهدّد، ويهدّد، باستحضار حرب أهليّة قد تأتي، هذه المرّة، أشرس من سابقتها. حتّى في فلسطين، حيث لا يزال الاحتلال الإسرائيلي جاثماً، تتحوّل "ممانعة" حركة "حماس" سبباً لاقتتال قد يودي بما تبقّى من قضيّة فلسطينيّة. وجذر المشكلة أن "الممانعة" تعريفاً، تعطي أولويّة الأولويّات لمكافحة السياسة الأميركيّة ونفوذ إسرائيل وما يتّصل بهما واقعاً أو توهّماً. لكنّ ما يحصل، كلّ مرّة، وفي كلّ بلد حيث تزدهر تلك الحركات، أن الأديان والطوائف والإثنيّات والولاءات الموضعيّة والصغرى هي ما يصعد إلى الواجهة، فيتضاعف تفسُّخ المجتمع، وتوشك أحياناً قواه على احتراب أهليّ، فيما المراد، أقلّه قولاً وخطابةً، توحيد هذا المجتمع وتلك القوى لمواجهة الولايات المتّحدة وإسرائيل! وما لا تريد أن تراه قوى "الممانعة"، تحت تأثير خليط متنافر من العوامل بينها الاستعجال السلطويّ لرموزها المتصدِّرين والكسل الفكريّ لمثقّفيها، وخصوصاً مصالح الأنظمة التي تسلّح "الممانعين" وتموّلهم، أن المسألة ليست إراديّة تتمّ بالكفاح والتصدّي ضدّاً على شروط موضوعيّة اجتماعيّة وتاريخيّة. فالأمر، على العكس تماماً، يتّصل بمسائل أعمق إمّا أن نحلّها أو أن نهرب إلى الأمام مذعنين لها تحت وطأة وهم "الممانعة"، وهذا على افتراض حسن الظنّ في القوى المذكورة، وعلى افتراض أن ما يحرّكها رؤيةٌ منزّهة، بل نظريّة، للصراعات الدائرة. والراهن أن ثمّة شيئاً خرافيّاً بحتاً يقف وراء أطروحة "الممانعة"، مفاده أن في وسع الصراع مع العدوّ تنقية المجتمع المعنيّ من كلّ "شوائبه" و"قصوره"، وإعادة بعثه واحداً موحّداً. وعملاً بتقدير كهذا، توكل إلى "الممانعة" طاقة سحريّة على تكييف المجتمعات وتطهير التواريخ، بينما يُحرم التكوين الاجتماعيّ والتاريخيّ كلّ قدرة على الفعل والتأثير، علماً بأن ما تقوله التجارب هو أن انتشار السلاح وتحريك العصبيّة، حتّى لو سُمّيت وطنيّة جامعة أو إسلاميّة جامعة، يحيل المجتمع المذكور غابةً لتقاتل الأطراف ذات الانتماءات الصغرى والعصبيّات النسبيّة. والحال أن مقاتلة أميركا وإسرائيل قد تكون مطلوبة وقد لا تكون. وهي مسألة أخرى تفيض عن اهتمامنا هنا. بيد أن ما يعنينا، في هذه العجالة، هو تلك التكراريّة المأساويّة التي لا تتعلّم منها قوى "الممانعة"، بل لا تتوقّف عندها ولا تنوي، أصلاً، أن تراها. فحتّى لو افترضنا، في أفضل أحوال "الممانعين"، أن قواهم أحرزت انتصارات عسكريّة على أعدائهم الأميركيّين والإسرائيليين، بقيت هناك عوائق تتبدّد أمامها انتصارات كهذه: فمن هو، مثلاً، الطرف الذي يستثمر الانتصارات سياسيّاً ومجتمعيّاً في ظلّ التفتّت الداخليّ المتنامي؟ وما نفع الانتصارات على العدوّ فيما مجتمعاتنا ممزّقة متحاربة، على ما تنمّ أحوال العراق وفلسطين ولبنان؟ وما هي البدائل التي تُجمع عليها أكثريّاتنا الشعبيّة بحيث نعارض بها العالم الموصوف بالخضوع للهيمنة الأميركيّة- الإسرائيليّة؟ هذه الأسئلة وغيرها لم تتباطأ في الظهور، وبشكل حادّ واستفزازيّ، بُعيد حرب الصيف الماضي التي وصفها "حزب الله" بـ"الانتصار الإلهيّ"، وهي ربّما وضعتنا أمام تاريخنا الذي لا نستطيع تذليل مفاعيله بالرغبات النضاليّة، ولا باستعارة التجارب الأوروبيّة وتعاقب مراحلها ومن ثمّ إلصاقها علينا من دون تمعّن في الفوارق الأساسيّة. فنحن قد نكون الآن ندفع أكلاف التاريخ، أي أكلاف شيوع الفهم السياسيّ الأوروبي (وهو، بالمناسبة، الفهم الوحيد للسياسة) من دون أن تتحوّل أجسامنا "السياسيّة" إلى أجسام أوروبيّة. ذاك أننا دخلنا إلى حلبة "السياسة" من باب الصراع مع الاستعمار، من غير أن يسبق هذا أيّ إعداد يتّصل بتحوّلنا إلى مجتمعات سياسيّة. فلا تصالحنا مع بلداننا كدول- أمم ناجزة، أو قابلة للاستكمال، ولا رأينا إلى أنفسنا بوصفنا مواطنين، ولا أحللنا، في حياتنا العامّة، شرعيّات سياسيّة تُستبدل بها شرعيّات الأديان والطوائف والإثنيّات. فنحن، بلغة أخرى، خضنا معركة الوطنيّة ولم نصبح أوطاناً بعد، فسقطنا، بهذا، ضحايا الحداثة حين نحوّلها أحبولة، آخذين منها محاربة الاستعمار وحقّ تقرير المصير، ونابذين بناء الأمم والإصلاح الدينيّ وفرز حيّز المواطنة عن حيّزات الولاءات الأخرى. أكثر من هذا، كنّا كلّما زاد إيغالنا في الشقّ الذي تبنّيناه (محاربة الاستعمار...) نزداد إيغالاً في الشقّ الذي يضاعف عجزنا عن خوضه (عدم التحوّل أوطاناً حديثة...). وهذا ما يفسّر كيف أن يقظة العنف التي يُحدثها الصراع مع الإسرائيليّين، أو الأميركيّين، لا تجد في محيطنا أيّ تفعيل لها خارج الأوعية التي نملكها، أي الأديان والمذاهب والإثنيّات، ما يحوّل معاركنا التوحيديّة في الظاهر، وفي المنطلق، إلى معارك تقسيم وتفتيت مشرعين على الهباء المحض. وهو ما يرسم اللحظة الراهنة التي نعيش، أقلّه في المشرق العربيّ، بوصفها تنازُعاً ضارياً بين نظرتين: إمّا أن نبني أوطاناً ونصير مواطنين ووطنيّين فعليّين قبل الاشتباكات مع الأعداء، الفعليّين منهم والوهميّين، وإمّا أن نستأنف الاشتباكات المذكورة ونوسّعها، متيحين لتفتّتنا أن ينمو ويتعاظم تمهيداً لابتلاعنا، "منتصرين" كنّا أم مهزومين. ويتمدّد التنازع المذكور ليشمل الطرق والأدوات التي تلازم كلاًّ من النظرتين المتعارضتين: فإذا كانت مهمّة التحوّل إلى أوطان تنهض على شرعيّات سياسيّة زمنيّة كما تقود إلى الصدام بعدد من الحقائق والوقائع التي تنتجها مجتمعاتنا وثقافاتنا، يؤول منح الأولويّة لمصارعة الأعداء إلى التعايش مع تلك الحقائق والوقائع، لا بل السهر على خدمتها وتعزيزها. وغنيّ عن القول إن الجمع مستحيل بين برنامجين في وقت واحد، برنامج يدفع إلى الانكباب على الداخل، وعلى النقد، مع العمل على تبريد المواجهات "المصيريّة" الكبرى المستثيرة للعصبيّات، وبرنامج "الممانعة" الذي يلحّ على التمسّك بـ"ثقافة الشعب" والتوحّد مع قواه كافّة بهدف مقاتلة العدوّ، علماً بأن النهاية لن تكون إلاّ التفتيت الشامل. يفاقم بؤس هذه الخاتمة عناصر عدّة نعاين اشتغالها ونعانيه في صورة يوميّة: فقوى "الممانعة" لا تقتصر على أيديولوجيّين أبرياء، إذ يشارك هؤلاء قوى أخرى هي التي تتولّى القيادة الفعليّة لجبهة "الممانعة"، بحكم إمساكها بالسلطات في بلدانها (إيران، سوريّا الخ...). وهذا، فضلاً عن إسباغه المزيد من التنافر والتضارب، بل الانتهازيّة عديمة التجانس والإقناع، على مسار "الممانعة"، يقود إلى صبغها بالاستبداد على نحو لا يُردّ. هكذا يغدو الدفاع عن "ولاية الفقيه" ووضع المرأة والمثقّفين في إيران، أو عن التسلّط العسكريّ في سوريّا، جزءاً لا يتجزّأ من معركتها ضدّ الأميركيّين والإسرائيليّين! ثم إن معارك "الممانعة" مديدة لا نهاية لها، وهذا منبثق من معنى "الممانعة" الذي اقترحه ذات مرّة المثقّف السوريّ ياسين الحاج صالح، بوصفه منعاً لانتصار الخصم وعجزاً، في الوقت عينه، عن تحقيق الانتصار. وأخيراً، تؤول هذه المعارك الاستنزافيّة المديدة كما تخوضها "الممانعة" إلى إفراغ مجتمعاتنا من القوى المنوط بها تأسيس صلب اجتماعيّ حديث قد يساهم في نقلنا إلى السويّة الوطنيّة والسياسيّة. فالمتعلّمون والكفاءات، وكذلك الرساميل، يغادرون بلداننا، كما يتعرّض دور المرأة إلى مزيد من الضمور تحت وطأة الثقافة الذكوريّة والاستشهاديّة التي تعمّمها المواجهات المفتوحة، بينما تتّسع المسافة التي تفصلنا عن العالم. وبسبب صعود النزعات الضيّقة الكارهة للغريب، أو استجابةً لمصالح الأنظمة الاستبداديّة التي لا تستطيع ردّها، ولا حتّى مناقشتها، الأطراف الثانويّة في جبهة "الممانعة"، أتجسّدت في "حماس" أم "حزب الله" أم سواهما، تغدو تلك النتائج أقرب إلى حتم لا يُردّ.