"الفلسطينيون شعب تضرب جذوره في عمق التاريخ على هذه البقعة من الأرض، وهم بذلك سبقوا أي شعب آخر في التوطن في هذه البلاد الممتدة ما بين نهر الأردن والبحر المتوسط، ولو أنهم كانوا دوماً جزءاً من إمبراطوريات عظمى كالإغريق والرومان والأتراك والبريطانيين. وأرض كنعان أو فلسطين اشتق اسمها من سكان كانوا يقيمون على ساحل بحرها يسمون (الفلسطينيين) أي شعب البحر، وكانوا معروفين بشدة بأسهم وبراعتهم في ميادين القتال ضد كل من يحاول الاعتداء عليهم واغتصاب أرضهم، وقد تغلبوا حتى على الملك داوود الذي كان معروفاً بقوته في ذلك الوقت". ما سبق ورد في كتاب الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر والمعنون "فلسطين: سلام وليس فصلاً عنصرياً". ومن المؤكد أن هذا الكلام لم يكن وحده السبب في الحملة الإعلامية الهوجاء التي ما زال يواجهها الكتاب ومؤلفه، خاصة من أنصار اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية ومنظماته، وعلى رأسها منظمة "إيباك" التي تعمل على تسويق السياسة الإسرائيلية في مختلف مراكز صناعة القرار الأميركي. وقد وصلت حملة الاحتجاج الإسرائيلية على كتاب كارتر، والذي انتقد ممارسات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، إلى "مركز كارتر" نفسه في مدينة أتلانتا، حيث قدم (14) عضواً في المجلس الاستشاري للمركز استقالاتهم احتجاجاً على الكتاب، بينهم عدد من الذين خدموا مع كارتر عندما كان في البيت الأبيض قبل نحو 30 عاماً، إذ أكدوا أنه لم يعد "بإمكانهم أن يشعروا بضمير مرتاح لخدمتهم في المركز" بسبب كتابه. وإذ أن كارتر (عرَّاب اتفاقية كامب دايفيد التي روجت لفكرة الحكم الذاتي الفلسطيني والحلول المنفردة) يؤمن بـ"حق إسرائيل في الوجود" ويدين "العنف الفلسطيني" ويروج لكل الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، فإنه -قطعا- ليس منحازاً للفلسطينيين، بل الحقيقة هي أن الهجوم عليه يأتي من رفض "اللوبي الصهيوني" لخروج أي سياسي أو مثقف أميركي عن "الخط" الذي يخطه لهم ذلك "اللوبي"، حتى ولو كانوا قد قدموا له ولإسرائيل خدمات جليلة فيما سبق. لذلك فقد تعرض كارتر لهجوم شرس من رموز المحافظين والإذاعات اليمينية إلى درجة اتهامه بمعاداة السامية. كما انتقده علناً عددٌ من نواب الكونغرس لعل أهمهم كان "نانسي بيلوسي" رئيسة مجلس النواب الجديدة (من "الحزب الديمقراطي" ومؤيدة لإسرائيل) حيث أصدرت بياناً قبل صدور الكتاب، تقول فيه إن مضمونه لا يعبر عن موقف حزبها (وحزب كارتر نفسه) من إسرائيل. وفي الحقيقة، لم يكتب كارتر شيئاً جديداً لا يعرفه كثيرون، وإنما سمى الأشياء بأسمائها بعيداً عن انحياز وتعمية الدبلوماسية الأميركية، وبعيداً عن العبث بالكلمات الخجولة التي غالباً ما تلجأ إليها الإدارات الأميركية المتعاقبة. غير أن المشكلة، حسب رأي اللوبي الصهيوني الأميركي، تكمن في الكلمات الصريحة الصادرة عن رئيس دولة أسبق كان له الأثر الأكبر من بين رؤساء أميركا فيما يسمى عملية سلام الشرق الأوسط، فضلاً عن نظرة العالم أجمع إليه بوصفه داعية للسلام العالمي، ومدافعاً شهيراً عن حقوق الإنسان، وصاحب سياسة قائمة على أسس أخلاقية. ويبقى السؤال: لماذا أثار كتاب كارتر هذه الانتقادات الواسعة في وسائل الإعلام الأميركية؟! من ناحية أولى، نعلم أن الإعلام الأميركي لم يتعود على هذا النوع الجريء من الكتابة عند معالجة القضية الفلسطينية. ومن ناحية ثانية، جاء عنوان الكتاب -من منظورهم- "استفزازياً" بشكل كبير. فكلمة "فصل عنصري (أبارتايد) ليست بالكلمة الهينة، لاسيما حين تأتي على لسان رئيس أميركي، فيما الشعب الأميركي يعتقد بتأثير من وسائل الإعلام الإسرائيلية المهيمنة على كل شيء، أن إسرائيل هي "واحة الديمقراطية" في الشرق الأوسط، بينما العرب المحيطون بها "همج يرعون الإبل وينتظرون الفرصة السانحة للانقضاض عليها"! ولعل أكثر ما أثار غضب اللوبي الصهيوني الأميركي هو الفصل الذي تناول فيه كارتر حقيقة الجدار العازل الذي تبنيه إسرائيل (بذريعة حمايتها من عمليات المقاومة الفلسطينية) بوصفه إطاراً لسجن قوامه الفصل العنصري. وهنا يؤكد كارتر أنه مع إحكام إسرائيل السيطرة على القدس الشرقية، ومحاصرة هذا "الجدار" لما تبقى من الضفة الغربية، وفي ظل بقاء آلاف المستعمرين/ "المستوطنين" المسلحين في الأصل، والذين توفر لهم الحكومة الإسرائيلية حماية مكثفة عمادها جنود الاحتلال شرق الجدار، فلا معنى ولا ضرورة أو جدوى من إجراء محادثات سلام مع الفلسطينيين، خاصة بعد خطة شارون وانسحابه أحادي الجانب من قطاع غزة، والخطة الفاشلة لإيهود أولمرت بالانسحاب من بعض مستعمرات الضفة الغربية، بمعنى أنهما (شارون وأولمرت) يؤمنان بأن سياسة الجدران هي الوسيلة الناجعة للحل مع الفلسطينيين. وكل هذه المعطيات هي بمثابة أمور جديدة بالنسبة للأميركيين الذين لم يسمعوها من قبل على لسان مسؤول أميركي صغير، فكيف حين تصدر في كتاب لرئيس أميركي عرف عهده أول عملية سلام بين العرب وإسرائيل ويروج له باعتباره أحد كبار دعاة السلام في العالم، ويعتد برأيه في عمليات الانتخابات التي تقام في الدول الحديثة على الديمقراطية. وتعليقاً على الحملة ضده وضد كتابه، كتب كارتر يقول: "لقد تمت كتابة مراجعات الكتاب في وسائل الإعلام الرئيسية أساساً من قبل ممثلين لمنظمات يهودية من غير المرجح أن يقوموا بزيارة المناطق المحتلة، وكان نقدهم الرئيسي للكتاب أنه مُعادٍ لإسرائيل (دون التطرق إلى مدى دقة حقائقه)". إذن الغضب على كتاب كارتر هو بسبب مجموعة متكاملة من الحقائق الفاضحة لإسرائيل والمدمرة لصورتها. فالكتاب احتوى على تفاصيل عن ممارسات إسرائيل العنصرية وجدارها "الألماني"، كل ذلك علاوة على كون العنوان استعمل عبارة "فصل عنصري" (أبارتايد) التي اقترنت لسنوات طويلة مع نظام الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا. ومع ما أوضحه كارتر بخصوص الجدار، فإن كل صاحب عقل سيدرك أن إسرائيل قامت بتشييد جدار الفصل العنصري ليس لأسباب أمنية بل للاستيلاء على أراضٍ إضافية، فلو كان الهدف أمنياً بحق فلماذا لم يتم تشييد الجدار على حدود 1967؟ إلى ذلك، ينبع الغضب على كتاب كارتر من كونه "تجاوز الخط الأحمر" بالنسبة لكل مؤيد لإسرائيل! فالمؤلف يشدد على موضوع الأرض وكيف تسرقها إسرائيل وتصادرها وتستولي عليها بالقوة، وهذه كلها أمور لا يعرفها معظم الأميركيين. حقاً، لقد وُفق كارتر في إظهار الوجه الحقيقي لإسرائيل، وفي تعرية التمييز العنصري الذي تمارسه ضد الشعب الفلسطيني، كما نجح كتابه في إيصال رسالة مهمة إلى الرأي العام الغربي، وخاصة الأميركي، بعد أن شرح نظام التمييز العنصري الإسرائيلي الممارس في فلسطين عبر مقارنة ناجحة مع النموذج الجنوب أفريقي السابق.