تقرير التنمية الإنسانية العربية الثاني لعام 2003، الذي صدر أواخر شهر أكتوبر الماضي بدعم من برنامج الأمم المتحدة والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، ألقى حجراً ضخماً ـ وللمرة الثانية على التوالي ـ في سكون تصورات النخبة الثقافية العربية، النائمة في العسل، كما يقال.
والتقرير الثاني هذا يأتي مواصلة لتقرير السنة الماضية وقد جاء تحت عنوان عريض: "نحو إقامة مجتمع المعرفة في البلدان العربية"، وهو شعار يصلح لأن يكون لافتة في عشاء خيري، أو عنواناً لندوة من ندوات المؤتمرات التي تنظمها الجامعة العربية والمنظمات الإقليمية الكثيرة الأخرى، من حين إلى آخر. وبغض النظر عن كل ما قيل ويقال عن تقرير التنمية الإنسانية العربية، مدحاً أو قدحاً، فإننا سنوجز حوله هذه الملاحظات التالية:
أولاً: إنه جاء في مجمله نتيجة لجهود فردية، بمعنى أن مجموعة من الباحثين والمفكرين العرب أنجزته، ولم يكن فيما نعلم نتيجة دراسات معمقة قامت بها مراكز بحوث ذات تقاليد أكاديمية راسخة، وذات إطلاع واسع على خفايا مفردات الواقع الذي يتحدث عنه التقرير بلغة مطلقة أحياناً وعامرة بالتعميمات أحياناً أخرى، وتنظيراً بدا في أحيان كثيرة تكراراً لكلام قيل منذ دهر تقريباً، أو كما لو كان تذكيراً بأطروحات ونظريات بعض واضعي التقرير من المفكرين العرب على اختلاف توجهاتهم الفكرية والمنهجية، وأيضا الإيديولوجية.
ومن هنا جاء التقرير عامراً بخريطة لغوية تعكس مختلف المدارس الفكرية، وتلفت الانتباه إلى نفسها قبل أن تشرح أو تشرّح الواقع الموصوف، فبدا أحياناً تأملياً، إن جاز التعبير، وأحياناً أخرى جاء طوباوياً حالماً بمجتمع عربي آخر تعمّه الديمقراطية، ويتصالح مع ذاته ومع العالم، ويتأسس على قواعد من الهندسة الاجتماعية العلمية والإعلامية، فما أحلاها من أمنيات!
ثانياً: إن ما ورد في التقرير من أحكام، وصفية للواقع الكائن، ومعيارية لواقع آخر ينبغي أن يكون، لا يعدو كونه تسجيلاً لبديهيات إن لم نقل تحصيلاً لحاصل، فأن تقول إن المجتمع العربي في حاجة إلى الديمقراطية وتحرير المرأة، والتعويل على دور إمكانات المنطقة العلمية والثقافية، وأن تقول إن وسائل الإعلام وحركة الترجمة وفتح أفق عصر تدوين عربي جديد كلها أمور ضرورية لتحقيق عصر استنارة عربي جديد، فهذه مسائل لا يختلف عليها اثنان ولا يحتاج تقريرها إلى كل هذا الجهد، واستطراداً، لا يستتبع الإعلان عنها كل ذلك الاحتفال والثناء المشبوه الذي استقبل به التقرير في المنطقة، وخارجها خاصة لدى بعض الدوائر الأميركية. والتي رشح عنها الكثير من محتويات التقرير قبل الإعلان عنه رسمياً.
الدوائر الأميركية التي تحمل مشاريع جاهزة للتغيير الشامل في المنطقة لن تجد دليل إدانة أصدق أو أوثق مما يتأسس على تقرير صادر عن نخبة من المفكرين العرب في وصف مجتمعاتهم بأنها غير ديمقراطية ومناهجها التعليمية قاصرة وإعلامها مخنوق ضرير، والمرأة فيها مكبلة من المهد إلى اللحد... إلى آخر ما هنالك؟! ومن هنا بدت تلك الدوائر في أمسّ الحاجة إلى تقرير التنمية الإنسانية العربية لدعم أطروحاتها وتصوراتها لمستقبل المنطقة. أو على الأقل للاستشهاد به من قبيل: "من فمك أدينك أيتها المجتمعات العربية".
ولعلها لهذا السبب اختطفته بالطريقة التي استقبلته بها، وحولته إلى ورقة من أوراق سجالها المفتوح حول "إصلاح" المجتمعات العربية... الآن وليس غدا. فكان كل هذا الاستقبال الحاشد ... فتأمّل.!