تُحسن وزارة الخارجية السودانية صنعاً وتقدم خيراً لبلدها لو تعاملت مع قضية إزاحة السودان عن رئاسة الاتحاد الأفريقي (التي تسميها التنازل الطوعي) بالهدوء وبأسلوب دبلوماسي بعيدة عن التشنج وإهدار الوقت باتهام بعض الدول الأفريقية الشقيقة بتلقي التعليمات وتنفيذ المخططات الأميركية التي تستهدف حكومة السودان. فالحديث المستفز عن أن بعض القادة الأفارقة قد "احتوتهم" مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية، على ما فيه من مجافاة للحقيقة، هو إساءة لأفريقيا وقادتها، وتقليل من شأن وقيمة الاتحاد الأفريقي، وهو يعود على السودان ذاتة بإساءة أكبر. وهذه النظرة القاصرة التي تصور كل من يختلف معنا في موقف من المواقف السياسية بالعمالة للأجنبي، وبالتآمر علينا وتنفيذ المخططات الإمبريالية، هي نظرة قديمة، عفا عليها الزمن وتجاوزها لأنه سيبقى دائماً السؤال المؤرق: من الذي فتح الباب لـ"الأجنبي" للتدخل في شؤوننا الوطنية؟ بل السؤال الأكثر إيلاماً: من الذي دعا الأجنبي أصلاً للتدخل في قضايانا الوطنية؟! الحماس الشديد، والتهريج بالصوت الأعلى، والتعامل مع علاقاتنا الخارجية بقدر كبير من اللاعقلانية الذي صار السمة المميزة لسلوكنا الدولي والإقليمي واصطناع الأزمات الصامتة والمعلنة حتى مع أقرب الأصدقاء والأشقاء للسودان، والذي تجيده هذه الحكومة عاد على الوطن بأضرار بالغة طوال عقود حكم "الإنقاذ" المتقلبة. إدارة السياسة الخارجية السودانية أخضعت لعقود من الزمن للاستراتيجية الحزبية (إن وجدت أصلاً) للحزب الحاكم وللانطباعات الذاتية والعوامل الانفعالية لقادة وأركان "المؤتمر الوطني"، وتقلص تماماً دور الدبلوماسية السودانية المحترفة (إن لم يكن قد أعدم نهائياً) وصار الأمر كله يُدار داخل غرف الحزب المغلقة، ووفقاً لصراعاته الداخلية ومواقف مراكز القوى المختلفة التي تتصارع حول ملفات السياسة الخارجية مدفوعة بأهوائها وطموحاتها الذاتية غير المؤسسة على المصالح العليا للوطن. في أزمة رئاسة السودان للاتحاد الأفريقي التي يأمل المرء أن تتجاوزها الخارجية السودانية بالحكمة والهدوء، كانت هنالك أصوات ترتفع تدعو إلى انسحاب السودان من الاتحاد الأفريقي، وكانت هنالك أصوات لم تقصر في كيل الاتهامات وتوجيه التهديد لقادة وزعماء أفارقة ليس أولهم ولا آخرهم رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي "ألفا عمر كوناري"، الذي يشهد الجميع بأنه بذل جهوداً مضنية من واقع التزامه الأفريقي لكي يجنب السودان مزيداً من الإرهاق، ولكي يحتوي صراع دارفور المأساوي، وينبه ويحذر الحكومة السودانية من مغبة التجاوزات الإنسانية التي طالت المدنيين من أهلنا في دارفور بواسطة الطيران. ومثل هذه الأفعال والأقوال لا تكسب حكومة السودان عطفاً ولا تأييداً من دولة أو زعيم عاقل، ولا تحتاج إلى "دفع وإملاء"، تقوم به الولايات المتحدة الأميركية أو ألمانيا لكي يحتشد رأي عام أفريقي ضد رئاسة السودان للاتحاد الأفريقي. ولعل هذه الأزمة وملحقاتها قد أقنعت الدكتور "لام أكول" وزير الخارجية، بأن يعيد الأمر إلى نصابه، وأن يمسك بمفاتيح السياسة الخارجية هو ومعاونوه من الدبلوماسيين المحترفين، الذين تدربوا وتربوا في مدرسة السياسة الخارجية السودانية التي أسسها الرعيل الأول من الدبلوماسيين السودانيين، والذين على أكتافهم وجهد عقولهم قامت تلك الوزارة التي كانت يوماً ما مفخرة للسودان والسودانيين. الدبلوماسية السودانية اكتسبت على مر العهود سمعة طيبة، وأدت أداء حسناً على الصعيدين الدولي والإقليمي برغم أن "قمة السلطة" كانت دائماً ما تحاول "فرض ذاتها" على وزارة الخارجية. كان هنالك دائماً دبلوماسيون سودانيون ملكوا الشجاعة أن يقولوا لـ"القادة" هذا خطأ وهذا صواب، عندما يكون الأمر متعلقاً بالمصالح العليا للوطن، غير مبالين ولا هيابين للعقاب، الذي قد ينزله بهم القادة المتحكمون، لأنهم عن قناعة وإيمان وطني، كانوا يرون أن أمور السياسة الخارجية يجب أن تُدار بمقاييس المصالح العليا للبلاد، وليس بالمصالح الحزبية الضيقة ولا العشوائية التي تفلح فيها مراكز القوى المتحكمة. ووزير الخارجية الحالي يستطيع -إنْ أراد- أن يجد في سجل الخارجية السودانية مئات المواقف والأسماء لتأييد هذا الرأي. عبد الله عبيد حسن