إنهما شيئان يحدثان بالتوازي وفي آن معاً، ففي العراق شرعت القوات الأميركية- أخيراً- في تنفيذ المهمة الشاقة الخاصة بتحقيق قدر من السلام والأمن والنظام في الأجزاء الحيوية من بغداد، وهو الشرط الأساسي المسبق للحل السياسي الدائم الذي يدعي الجميع أنهم يريدونه. فقد شنت تلك القوات- التي أمر الرئيس بوش بتعزيزها بعشرين ألف جندي إضافي وعين قائداً جديداً لها- هجمات على معاقل المتمردين السُنة، كما بدأت في كبح جماح ميليشيا مقتدى الصدر في أكبر عمليات تقوم بها لمواجهة التمرد منذ أن بدأت الحرب في العراق. وفي الولايات المتحدة نجد أن الأعضاء "الديمقراطيين" و"الجمهوريين" في الكونجرس يسعون إلى حل سياسي من نوع مختلف (ليس للوضع في العراق وإنما لمشكلاتهم المتعلقة بالترشيح للانتخابات الرئاسية التي ستجري بعد سنتين من الآن). ففي هذا الإطار تعددت القرارات التي يتم اتخاذها من جانب أعضاء الحزبين "الديمقراطي" و"الجمهوري" معا برفض إرسال المزيد من القوات إلى العراق. ويقول متخذو هذه القرارات بصراحة- وأحياناً بفخر- إنهم يستجيبون في اتخاذها لرأي الشعب. ومعظم تلك القرارات لا تقدم بديلاً لما يمكن عمله هناك غير ذلك البديل المشوب بالغموض الذي جاء في تقرير بيكر-هاملتون بشأن الانسحاب التدريجي من العراق. وبعض الرافضين لخطة بوش يريدون أن يتم تخفيض الأموال المخصصة للإنفاق العسكري في العراق، وأن يتم الانسحاب من هناك خلال شهور. وفي رأيي أن هؤلاء المنتقدين يفتقرون إلى الأمانة سواء بالنسبة فيما يتعلق بتخفيض المخصصات أو فيما يتعلق بالانسحاب... لماذا؟ لأنهم لا يقدمون مقترحات بديلة بشأن ما يجب على الولايات المتحدة أن تقوم به إذا ما تفجرت الأوضاع في ذلك البلد وبدأ التطهير العرقي فيه على نطاق مفزع، ولا بشأن ما يتعين عليها عمله عندما تتحول المنطقة بأسرها إلى منطقة حرب، وعندما تؤسس "القاعدة" وغيرها من المنظمات الإرهابية والمتطرفة ملاذات آمنة لها وقواعد في ذلك البلد يمكن لها أن تنطلق منها لمهاجمة الدول المجاورة، بل ومهاجمة المصالح الأميركية في المنطقة، وفي الولايات المتحدة ذاتها؟ إن هؤلاء الذين يدعون إلى "وضع نهاية للحرب" من خلال انسحاب القوات الأميركية من هناك لا يذكرون شيئاً عن حقيقة أن الحرب هناك لن تنتهي بخروج الولايات المتحدة من العراق، وأنها ستصبح أكثر خطورة بما لا يقاس عما هي عليه الآن. هل يقترح هؤلاء ألا نفعل شيئاً بصرف النظر عن كافة العواقب؟ أم أنهم على استعداد أن يقولوا الآن وعلنا أنهم سيكونون راغبين في تلك الحالة في إعادة إرسال القوات الأميركية التي ستكون قد انسحبت- حسب مقترحاتهم الحالية- لمواجهة الأخطار الجديدة؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة هي فقط التي ستجعل موقفهم الحالي موقفاً يتسم بالشجاعة والأمانة في الوقت ذاته. إن السيناتور "جوزيف بايدن" اتهم الرئيس بوش مؤخراً بأن قيامه بإرسال المزيد من القوات إلى العراق يمكن أن يؤدي إلى ترحيل عبء حرب العراق بكل تداعياتها إلى من سيخلفه على المنصب. وعلى ما يبدو أن "بايدن" قد افترض أن بوش لو استمع لنصيحته بعدم إرسال المزيد من القوات إلى العراق، فإن الوضع في بلاد الرافدين لن يكون هو تلك المشكلة الخطيرة التي يمكن أن تواجهه عندما يصبح لقبه هو الرئيس" بايدن" ويدخل البيت الأبيض عام 2009. إن هذا ليس إلا وهما من الأوهام.. غير أنه يتعين القول مع ذلك إنه ليس وهماً "ديمقراطياً" فقط وإنما هو وهم "جمهوري" كذلك حيث يعتقد بعض "الجمهوريين" أن الخروج من العراق والتخلي عن الحكومة العراقية لمجرد اعتقادهم بأن العراقيين لا يستحقون "مساعدتنا" سيؤدي تلقائياً إلى التخلص من الورطة العراقية برمتها. نعم إنه وهم آخر لأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تهرب من أزمة العراق ومن أزمة الشرق الأوسط، لأن العراق لو سقط، فإن ذلك لن يضع نهاية لمشكلاتنا بل سيؤدي إلى جعل تلك المشكلات أكثر جسامة مما هي الآن كما سيؤدي إلى ظهور مشكلات جديدة وخطيرة. لذلك فإنني أعتقد أن أي سياسي أميركي يحدوه الأمل في أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة في يناير 2009 يجب أن يأمل بل أن يصلي من أجل نجاح استراتيجية بوش القائمة على زيادة أعداد القوات في العراق لأن الولايات المتحدة ستجد أنها لا تزال مضطرة على نحو أو آخر للتعامل مع العراق عام 2009، لذلك فإن السؤال الذي ينبغي طرحه في الوقت الراهن هو: أي عراق نفضل أن نتعامل معه في ذلك الوقت، هل العراق هو العراق القابل للإنقاذ أم العراق الذي يتهاوى ويسقط في هاوية الفوضى ويهدد بجرنا معه إلى تلك الهاوية؟ روبرت كاجان مشارك رئيسي في مؤسسة "كارنيجي" للسلام الدولي وزميل في صندوق" مارشال" الألماني ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"