خلال السنوات القليلة الماضية تحولت الإنترنت إلى واحدة من أكثر وسائل الاتصال استخداماً من قبل الأفراد والهيئات والمؤسسات على حد سواء. هذه الشعبية الحالية للإنترنت كوسيلة اتصال، صاحبها أيضاً تمتعها بلقب أكثر الوسائل استخداماً لأغراض الغش والنصب. فحسب تقرير يرصد معدلات الغش وسرقة الهوية التي يتعرض لها المستهلك الأميركي، ويصدر عن مفوضية التجارة الاتحادية في الولايات المتحدة (Federal Trade Commission)، اكتشف المسؤولون حدوث زيادة واضحة في معدلات استخدام الإنترنت للنصب وسرقة الهوية في عام 2003، مقارنة بما كانت عليه في عام 2002. وشكلت جرائم سرقة الهوية في العام الماضي 42% من مجموع الشكاوى والبلاغات المقدمة للمفوضية الاتحادية، وهي الشكاوى التي بلغ عددها أكثر من 215 ألف شكوى في عام واحد. ومن بين المواقع والنشاطات الممارسة على الإنترنت، حظيت المزادات الإلكترونية ومواقع "كتالوجات" التسوق من المنازل وخدمات الكمبيوتر، بنصيب الأسد من مجموع النشاطات التي ترتكب من خلالها جرائم الغش والنصب. فمن مجموع بلاغات ضحايا النصب التي تلقتها المفوضية، شكلت حوادث الإنترنت 55% منها، مقارنة بـ47% في العام الماضي. وتعتبر المفوضية أن واقعة النصب وقعت على الإنترنت، إذا ما تواصل المجرم والضحية على الإنترنت أو تم التسديد المالي عبر الشبكة. وتشير الإحصائيات أيضاً إلى أن سبعة ملايين شخص في الولايات المتحدة قد تعرضوا من وقت لآخر إلى جريمة سرقة هويتهم، واستخدامها من قبل شخص آخر للتربح المالي. ورغم أن معظم هذه الجرائم تتم من قبل عصابات الجريمة المنظمة والمجرمين العتيدين، إلا أن كثيراً من تلك الجرائم ترتكب من قبل الأصدقاء وزملاء العمل وحتى أفراد الأسرة.
ولا تقتصر جرائم النصب وسرقة الهوية على الولايات المتحدة فقط، بل تمتد إلى جميع بلدان العالم. ففي بريطانيا تعتبر جرائم سرقة الهوية أكثر أنواع الغش والنصب في حجم انتشارها، وهو ما يكلف البريطانيين حوالى 1.3 مليار جنيه استرليني سنوياً. ولذا عملت الحكومة البريطانية منذ بداية الصيف الماضي على تشديد الإجراءات القانونية الرامية للحد من هذا الطوفان. أحد التغيرات الجوهرية التي طرحها المشروع البريطاني فيما يتعلق بمكافحة هذه النوعية من الجرائم، يختص في المسؤولية القانونية لحائز الوثائق المزورة أو التي تنتمي لشخص آخر. فسابقاً إذا ما عثرت الشرطة على وثائق مزورة أو وثائق تخص شخصاً آخر في حوزة أحد المجرمين، كان على الشرطة إثبات أن هذه الوثائق تمت سرقتها. أما حسب القانون الحالي، إذا ما عثرت الشرطة على وثائق لا تخص حاملها ولم يستطع المتهم توضيح سبب حوزته لها، فتلقائياً يعتبر مذنباً ويتم إلقاء القبض عليه، ومن ثم تحويله للمحاكمة التي يمكنها معاقبته بالسجن لمدة تصل إلى عامين. هذا القانون ينظر إليه البعض على أنه تغيير جوهري في مفهوم التشريع والعقاب، فبدلاً من أن يعاقب الشخص لارتكابه فعلا باستخدام وثائق تخص شخصاً آخر، أصبح مجرد حوزة وثائق قانونية تخص شخصاً آخر وبدون علمه، جريمة يعاقب عليها القانون، حتى وإن لم يتم استخدام تلك الوثائق في أفعال قانونية أو غير قانونية.
هذا التشدد أو التشديد في فلسفة التجريم ونوعية العقاب، يرى القانونيون أنه أصبح ضرورياً لوقف مد جرائم سرقة الهوية، التي تسبب خسائر مالية وضغوطات نفسية رهيبة لضحاياها. فخلاف المبالغ المالية التي يختلسها النصابون من ضحاياهم بانتحال هويتهم، غالباً ما يتطلب من الضحية إنفاق أكثر من 300 ساعة من وقته مع البنوك وشركات بطاقات الائتمان لتصحيح صورتها المالية والائتمانية لدى تلك الجهات. ففي العالم الغربي يؤثر التاريخ المالي وحد الائتمان على جميع جوانب حياة الفرد بشكل بالغ، بحيث يصبح من الصعب ممارسة النشاطات المالية المعتادة في تلك المجتمعات، إن لم يكن الفرد يتمتع بتاريخ مالي نظيف وحد ائتمان معقول. وما يحدث أن منتحلي الشخصية بسرقتهم لأموال الضحية واستهلاك الحدود القصوى لبطاقاته الائتمانية، يخربون حياته ليس فقط في الوقت الآني وإنما ربما لسنوات طويلة آتية. وعلى عكس ما يعتقد الكثيرون، لا ترتبط جرائم سرقة الهوية بالإنترنت وعالم الكمبيوتر كما يحلو للبعض أن يتخيل، بل كثيراً ما يكون الضحايا أشخاصا لم يستخدموا الإنترنت أبداً في حياتهم. ولكن تكمن المشكلة الحقيقية في أن التكنولوجيا الحديثة، جعلت من الحصول على المعلومات الشخصية التفصيلية للفرد من قبل المجرمين، عملية أكثر سهولة من أي وقت مضى. وعند الحصول على تلك المعلومات، سهلت التكنولوجيا أيضاً لهؤلاء المجرمين عملية الاقتراض الإلكتروني أو استخدام بطاقات الائتمان دون الحاجة للوجود الشخصي.
ويمكن للفرد العادي اتخاذ الكثير من الإجراءات لحماية هويته من التعرض للسرقة من قبل الآخرين. بعض تلك الإجراءات بسيطة وسهلة، مثل حفظ جواز السفر في خزانة الفندق، أو حفظ جميع الوثائق القانونية في المنزل في مكان أمين، وإذا ما تعرضت أي من تلك الوثائق للسرقة فيجب إبلا