لقد طرأ تحول في قضايا ومفاهيم الأمن القومي والدولي، نتيجة لحدوث ثورة كبيرة في علم الفيزياء في القرن العشرين، مكنت البشرية من شطر الذرة وارتياد الفضاء والغلاف الجوي. كما مهدت الفتوحات العلمية الكبيرة التي حدثت في علم الفيزياء، لاختراع تقنيات جديدة لم تعرفها البشرية من قبل، من بينها الترانزستور، وتقنيات البث، وصولاً إلى انفجار ثورة المعلومات، وهي الثورة التي أحدثت تحولاً دراماتيكياً مذهلاً في اقتصادات الأمم والدول. وقد كان القرن العشرون، قرناً أميركياً بلا منازع، لكون الولايات المتحدة الأميركية، هي الدولة الرائدة في مجال تطبيقات علوم الفيزياء والتقنيات المرتبطة بها. وعلى رغم أن النظرية النسبية والميكانيكا الكمية، قد جرت صياغتهما في كنف العلوم الأوروبية في الأساس، فإن تطبيقاتهما العملية قد تمت في الولايات المتحدة وليس أوروبا. ولك أن تتخيل مدى الفرق الذي يمكن أن يكون عليه النصف الثاني من القرن العشرين، فيما لو تم تطوير الأسلحة النووية بادئ ذي بدء في مكان آخر غير الولايات المتحدة، أو فيما لو كان مركز انطلاق الانفجار الهائل الذي شهدته تقنية المعلومات، في مكان آخر غيرها! وإذا ما كانت علوم الفيزياء هي التي وسمت القرن العشرين كله بميسمها وطابعها، فإن مما لا شك فيه أن أهم سمة لقرننا الحالي، الحادي والعشرين، هو كونه عصراً لعلوم الأحياء. ففيه يتوقع أن تزداد دورة حياة الإنسان، مع اكتشاف علاجات جديدة للأدواء العضال، بينما يتوقع أن تزيد مشاركة عائدات الرعاية الصحية، في الناتج الإجمالي القومي للدول، قياساًِ إلى عائدات الأنشطة التجارية الإنتاجية. وفي الوقت ذاته، يتوقع أن تؤدي التطورات الحديثة في مجال علوم الحياة إلى حدوث ثورة غير مسبوقة في النشاط الزراعي، فضلاًِ عن تأثيرها الكبير المرتقب على تقنيات الطاقة، وتطوير عدة مواد جديدة لم تخبرها البشرية من قبل. أما العقارات الطبية المساعدة على التعلم والدراسة، والتي أصبحت شائعة الانتشار اليوم في الكليات والجامعات، فهي ليست سوى النذر الأولى للتحولات الكبيرة المرتقبة، التي يتوقع لها تثوير قدرة البشر وطبيعتهم على نحو غير مسبوق. والسؤال الذي لا بد من إثارته هنا: هل تحتفظ الولايات المتحدة بمكانتها الريادية في علوم الحياة هذه، مثلما قادت العالم في عصر الفيزياء طوال القرن العشرين؟ ولهذا السؤال أهمية اقتصادية كبيرة، بالنظر إلى أن تداعيات الإجابة عنه، تطال حتماً مسائل الأمن القومي والقيادة الأخلاقية للعالم. وحتى هذه اللحظة، وعند الأخذ بمعدل الاستثمار، ومخرجات الأبحاث العلمية في هذه العلوم، وكذلك بارتقاء مستوى مؤسساتنا العلمية المعنية بهذا المجال، فإن كل الشواهد تقول بتقدمنا للعالم كله في علوم الحياة. غير أن إنجازات الماضي، لا تشكل ضمانة لمحافظة بلادنا على موقعها الريادي المتقدم في علوم الحياة. ولنذكر بهذه المناسبة، أن أوروبا كانت حتى الثلث الأول من القرن العشرين، المصدر الرئيسي لكافة الاكتشافات المهمة الجبارة التي حدثت في علوم الفيزياء. لكن وما أن بدأت الولايات المتحدة زحفها نحو المركز القيادي، حتى تخلفت عنها أوروبا لجملة من الأسباب والعوامل. لذلك وفيما لو أرادت أميركا الحفاظ على موقعها الريادي في علوم الحياة، فإن ثمة خطوات لا بد من اتباعها والتقيد بها. أولاً: وفي مقدمة تلك الخطوات، ضرورة احترامنا للمنهج العلمي نفسه. والملاحظ هنا، أنه وما أن يأتي الدور للحديث عن الجانب الصناعي، حتى ندرك أن الولايات المتحدة –وخلافاً للعديد من الدول الصناعية الكبرى الأخرى- قد شرعت في رحلة مفارقتها للعلم ومنهجه هنا. وقد أظهرت نتائج استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخراً، أن نسبة 33 في المئة من أساتذة علم الأحياء بمدارسنا، يعتقدون في الذكاء الصناعي، بنفس درجة اعتقادهم في نظرية التطور. وهناك نتائج استطلاع أخرى، تشير إلى أن نسبة تصل إلى 70 في المئة من عامة الأميركيين، تشاطرهم ذات الاعتقاد. ولذلك فإن الأمر لا يختلف، حتى وإن دعا الرئيس بوش، إلى ضرورة تدريس الذكاء الصناعي في مدارسنا وجامعاتنا، جنباً إلى جنب تدريس نظرية التطور، باعتبار أنهما مفهومان مختلفان عن بعضهما البعض. ثانياً: يجب أن يكون تمويل العلوم والبحث العلمي، من أولوياتنا التي لا نحيد عنها. والملاحظ هنا أن حجم الإنفاق الحكومي على مجال العلوم، قد تراجع خلال السنوات الثلاث الأخيرة الماضية، في وقت أصبح فيه الكثير مما كان مستحيلاً ممكناً في علوم الأحياء، وعندما كنا على وشك إحراز طفرة غير مسبوقة في كل ما له صلة بها، من تقنية الخلايا الجذعية، وحتى علاج السرطان وغيره من أكثر الأمراض استعصاءً على العلاج وفتكاً بالبشر. وغني عن القول إن هذا التراجع يلقي بظلاله السلبية وتأثيراته الضارة على باحثينا الشباب بصفة خاصة. وبالمقارنة، فقد كان نسبة 50 في المئة من الذين حصلوا على تمويل لأبحاثهم في مجال العلوم، من "معاهد الصحة القومية" في عام 1980، دون سن الأربعين. أما اليوم، فتقارب نسبة هؤلاء 20 في المئة فحسب. يضاف إلى ذلك، صعوبة حصول معظم الباحثين اليوم على تمويل لأبحاثهم من المعاهد المذكورة، بدليل أن نسبة البحوث التي جرى تمويلها في الميزانية المالية لعام 2006 الماضي، لم تزد على 10 في المئة فحسب، وهي من بين أكثر النسب تدنياً في تاريخ تمويل البحث الأميركي. ثالثاً: لا بد من التحكم في الدور الذي تلعبه السياسة في مجال البحث العلمي، بحيث لا يؤثر هذا الدور سلباً على حرية البحث والاكتشاف العلميين. لورانس إتش. سامرز كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"