لاحظت خلال وجودي بمدرجات استاد آل نهيان، بنادي الوحدة، لمتابعة مباراة بين منتخبي السعودية والعراق ضمن فعاليات دورة الخليج الثامنة عشرة، وجود "جمهور نسائي" كان لافتاً للانتباه ومثاراً للنقاش، خلال الدورة هذه وفي العديد من وسائل الإعلام. لأن مشاركة الجنس الناعم في مدرجات كرة القدم، هي إحدى الوسائل الجديدة لاختراق معاقل الذكور، باعتبار أن هناك دولاً خليجية لا توجد لديها مشكلة في أن تتواجد المرأة لتشجيع منتخب بلادها، بل هناك فرق نسائية خليجية لكرة القدم. تابعت المباراة بمزيج من المشاعر؛ جزء من تلك المشاعر كان يدفعني إلى الاعتقاد بأن المرأة الخليجية وصلت من الانفتاح والقبول في المجتمع إلى حد استطاعت معه أن تشجع منتخب بلادها إلى جانب المشجعين الرجال، باعتبار أن ذلك الأمر حق للمرأة كما هو حق للرجل، وأن الحديث الذي يدور حول تمكينها- رسمياً- مرحلة أصبحت حقيقة بعد كل هذه الطفرات التعليمية والعمرانية. أما في الجانب الآخر من تلك العاطفة فكنت متشككاً بعد أن رأيت رجلاً خليجياً، بعد بدء المباراة بدقائق، وأمام مرأى الجمهور الذي اكتظت به المدرجات، يقوم بمطالبة المشجعات اللاتي يحملن علم بلادهن ويلبسن ملابس توحي أنهن من ذلك البلد، بالابتعاد عن الرجال. إثر هذه الواقعة تشككت بحقيقة أن هناك تحولاً حدث فيما يخص المرأة الخليجية؛ فقد استعان الرجل في مواجهة رفض المشجعات الانتقال وتنفيذ أوامره، برجال الشرطة واستطاع أن يقنعهم بمنطقه وتم نقل النساء إلى القسم الخاص بهن. بالنسبة لي، الحادثة كانت عملية استفتاء مجتمعي حول المكانة التي وصلتها المرأة الخليجية. فقد أفرزت هذه الحادثة وبتلقائية شديدة الجمهور الذكوري إلى مجموعتين؛ الأولى أقلية رفضت موقف الرجل واستهجنت طريقته في التعامل مع المشجعات بل وحمّلوا المنظمين المسؤولية لأنهم لم يفرزوا الجماهير قبل بدء المباراة الأمر الذي سبب للنساء إحراجاً كبيراً، خاصة وأن الأغلبية- وهذه هي المجموعة الثانية- من الجماهير أيدت موقف الرجل المشار إليه والذي أحس بنشوة الانتصار بعد تدخل رجال الشرطة، فخرجت النساء إلى القسم الخاص بهن. على المجتمعات الخليجية وليس الحكومات القيام بعمل كبير للوصول إلى تمكين المرأة. فبدون شك، قامت حكومات دول الخليج بجهود جبارة للقضاء على التمييز في الأنشطة والفعاليات بين الرجل والمرأة، بعضها في المجال الرياضي وكرة القدم خصوصاً، رغبة في تمكين المرأة في كل الفعاليات المجتمعية، ولكن يبقى اقتناع أفراد المجتمع هو الأهم. بعد هذه الحادثة الصغيرة الكبيرة في دلالاتها، صرت على قناعة تامة بأنه من العسير والصعب جداً إنتاج ثقافة تقتنع بأن المرأة هي الجزء المكمل للرجل والمتساوي معه في المجتمع. الأمر ينطبق على كل دول الخليج، فالرجال لم يقتنعوا بعد بوجود المرأة بجانبهم بما في ذلك مقاعد المجالس التمثيلية، حتى من يفزن بالانتخاب يجري التشكيك في فوزهن. وفي الملعب فعلها ذلك الرجل وطلب من السيدات المشجعات مغادرة أماكنهن، لأنهن "يسئن لصورة امرأة بلاده"، بل وتطوع البعض وسحب من تلك النسوة "جنسيتهن" لمجرد النظر وتكهن بأنهن لسن من ذلك البلد، بل هن كذا أو كذا، وأن التشجيع في مباراة لكرة القدم مصيبة يمكن أن ترتكبها المرأة الخليجية عامة. رسميا تستطيع كل دول الخليج أن تضع المرأة في الواجهة وتجبر الرجل الخليجي على قبولها، وتحكى حول هذا القبول قصص تؤكد مدى الانفتاح الذي وصلته المرأة الخليجية، ولكن عندما ينتقل الأمر إلى المجتمع، فإن الأمر يكون عكس ذلك تماماً؛ فالغالبية لا زالوا يستحون من الجلوس بجانب المرأة أو السير برفقتها في الأماكن العامة. إذا لم نكن قادرين على فهم وقبول وجود المرأة لتشجيع فرقها الوطنية، بطريقة محترمة ليس فيها تجاوز على الدين والتقاليد، وإذا كان البعض منا يريدون عزلها عن التفاعل مع القضايا الوطنية، فمن الصعب إذن القول إن المرأة الخليجية حققت إنجازات كثيرة!