الهزات الكبيرة التي أصابت أسواق المال العربية والخليجية تحديداً في العام الماضي 2006 صاحبتها الكثير من التحليلات والآراء غير المهنية في كافة وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، مما ساهم في اعطاء انطباعات خاطئة وقراءات غير صحيحة لما حدث في أسواق المال الإقليمية. الآن وقد اتضح جزء من الصورة الحقيقية من خلال اعلان الشركات المدرجة عن نتائج أعمالها في عام 2006، فإنه يمكن القيام بتحليل أكثر واقعية، وذلك بالاستناد إلى ما سبق وأن أشرنا إليه في العديد من المناسبات في العام الماضي، وفي أشد فترات الأزمة التي مرت بها هذه الأسواق. مبدئياً يمكن القول إن أسعار الأسهم في كافة أسواق المنطقة وصلت إلى أرقام قياسية في عام 2005 لا تتناسب ومكرر ربحية هذه الأسهم، مما يعد وضعاً غير طبيعي، كان لا بد وأن يؤدي إلى تصحيح قاسٍ لأسعار هذه الأسهم. وهو ما حدث بالفعل، إلا أن حدة هذا التصحيح المتوقع كانت عنيفة وقادت إلى إيجاد أوضاع غير طبيعية ولكن باتجاه الأسفل، أي بانخفاض بعض الأسهم القيادية والجيدة إلى أقل من قيمها الحقيقية. عندما تم تحليل ذلك في صيف العام الماضي، برزت بعض التحليلات غير الدقيقة، التي أشارت إلى إمكانية تدني أرباح الشركات المدرجة في نهاية عام 2006 بل وربما تحقيقها لخسائر كبيرة، وذلك في خلط للأوراق بين الشركات الجيدة التي تحقق أرباحاً تشغيلية وتلك الشركات التي تعتمد على المضاربة واعتماد أساليب محاسبية مختلفة. الآن وقد أفصحت معظم الشركات والبنوك عن نتائج أعمالها عن عام 2006، فإنه يمكننا تأكيد ما سبق، وأن توصلت إليه التحليلات العلمية، فمتوسط أرباح البنوك التي اعلنت عن نتائجها حتى الآن في دولة الإمارات ارتفعت بنسبة 20% مقارنة بأرباحها في عام 2005 أما إذا ما أضيف إليها أرباح مجموع الشركات المساهمة، فإن هذه النسبة سترتفع إلى ما يقارب 27% وهي نسبة كبيرة، حتى اذا ما خصم منها نسب التضخم في عام 2006. بالتأكيد هناك شركات حققت خسائر، إلا أنها شركات قليلة وغير مؤثرة في سوق الأوراق المالية، حيث سبق وأن تمت الإشارة إليها بسبب طبيعة أدائها واعتمادها على أساليب المضاربة غير المحسوبة. باختصار يمكن القول إن الشركات المساهمة تمكنت وبنجاح مشهود في عام 2006 من تجاوز أزمة تدهور سوق الأوراق المالية وأعلنت عن نتائج وتوزيعات جيدة للغاية تضع الاستثمار في البورصة على قدم المساواة مع عوائد الودائع الثابتة في بعض الاحيان وأفضل من تلك العوائد في أحيان أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الاستثمار في الأوراق المالية يحمل في طياته امكانية ارتفاع قيمة هذه الأوراق طبقا لأداء الشركات المساهمة في المستقبل. ماذا يعني ذلك؟ ذلك يعني باختصار أن الشركات المساهمة ستعوض جزءاً من خسائرها في عام 2007 وستصل الأسعار إلى مستويات تعكس قيمها الحقيقية، إلا أنها لن تعود إلى مبالغات عام 2005، رغم أن السوق ستمر بين فترة وأخرى بعمليات مضاربة وجني أرباح، كما هو طبيعة الأسواق المالية في كافة بلدان العالم. ربما لا يعني هذا الحديث الكثير من المستثمرين الذين خسروا معظم أو كل مدخراتهم بسبب عدم وعيهم بطبيعة عمل البورصات وتقلباتها، إلا أن هذا الحديث يعني الكثير للمستثمرين الملمين بتطورات هذه الاسواق والذين يتعاملون مع السوق كمستثمرين بعيدي النظر، لا كمضاربين عابرين دون دراية كاملة بأساليب وآليات المضاربة. الأوضاع ستتحسن إذا ما افترضنا تأثير العوامل الاقتصادية الجارية حالياً، وبالأخص الإمكانيات المتعلقة بأداء الاقتصاد المحلي المتنامي وأداء الشركات المساهمة، إلا أنه في نفس الوقت لا يمكن تجنب الاوضاع المتوترة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط والقابلة لكافة الاحتمالات والتي يمكن أن تنعكس سلباً على أداء البورصات من جهة والتقلبات الخاصة بأسعار النفط من جهة أخرى، والتي نعتبرها مؤقتة، حيث تشير كافة التحليلات إلى أهمية منطقة الخليج كمصدر رئيسي لتلبية الطلب على النفط في العالم. الاستثمار في سوق الأوراق المالية مهم ومربح إذا ما تمتع المستثمر بالدراية والنفس الطويل، وتعامل بصورة مهنية من خلال مؤسسات متخصصة، بعيداً عن المضاربات اليومية المحمومة والتي تحتاج لمتمرسين وخبرة طويلة بتقلبات السوق وتحليلها بصورة يومية،اعتماداً على العديد من المؤشرات والتطورات الآنية لتحقيق العوائد المتوقعة من عمليات المضاربة.