من يعتقد أن التعاطي مع كوريا الشمالية أمر مستحيل هو على خطأ؛ كما أن من يعتقد أن من الممكن في الواقع التعاطي معها دون منغصات ليس هو أقرب من الحقيقة أيضاً؛ ذلك أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن الفريقين معاً لا يعرفان بكل بساطة ما الذي يريده "الشمال". نميل -نحن الأميركيين- إلى الخلط بين الأهداف التكتيكية قصيرة المدى لكوريا الشمالية وهدفها الاستراتيجي الأكبر. فنضع القائمة تلو القائمة بالأشياء التي نعتقد أنها قد تستميل بيونج يانج على أساس تصور خاطئ يرى أن من شأن هذه الأشياء أن تساعد على تحقيق ما نصبو إليه، أي التجريد التام والكلي الذي لا رجعة فيه لكوريا الشمالية من السلاح النووي. غير أن قائمة "الجزرات" هذه (الطاقة، الطعام، رفع العقوبات... الخ.) لا تشتمل على ما يعتقد "الشمال" أنه يجب أن تتضمنه مثل هذه القائمة. صحيح أنه يمكن لهذه الأمور أن تساهم في الإبقاء على العملية في مسارها والتقدم إلى الأمام، كما يمكنها أن تساهم في دعم اتفاق نهائي، وتحافظ على تماسكه في وجه العواصف السياسية المحتملة. والحال أن كل هذه الأشياء لا تمثل الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها كوريا الشمالية. تغذي كوريا الشمالية تصوراتنا الخاطئة عبر طريقة تفاوضها القوية بشأن بعض التفاصيل ورفع سقف مطالبها عالياً. ومن جانبنا، نميل نحن إلى الانسياق وراء عبارات يكررها الصحافيون الغربيون من قبيل "إنها واحدة من أفقر الدول في العالم"، و"واحدة من أكثر الدول عزلة في العالم"، "إنها بلد يعيش على المساعدات الخارجية". وبغض النظر عن مدى صحة هذه الأمور من عدمها، إلا أنها عوامل ثانوية حين الحديث عن حسابات بيونج يانج الاستراتيجية. أما أولئك الذين يعلمون أن كوريا الشمالية ليست لها مطامح في الجوائز والمكافآت، فيُحولون تركيزهم أحياناً إلى الخطوات السياسية التي يعتبرها الكثيرون "مفتاح" أي حل، ومن ذلك استبدال اتفاق وقف إطلاق النار باتفاقية سلام، ومنح "الشمال" ضمانات، ومناقشة مخططات لتبادل الدبلوماسيين. غير أن هذه الأمور، وعلى غرار الجزرات الاقتصادية، تشكل بدورها تصورات غير مكتملة لما تسعى إليه بيونج يانج. فما الذي تريده كوريا الشمالية بالضبط إذن؟ إن أهم ما تريده وتسعى إليه بقوة منذ 1991 هو علاقة استراتيجية وطويلة المدى مع الولايات المتحدة. وهو أمر لا صلة له في الواقع بالأيديولوجيا أو الفلسفة السياسية؛ ذلك أنه حساب هادئ ورزين يستند إلى التاريخ والحقائق الجيوسياسية مثلما تراها بيونج يانج. إذ يرى الكوريون الشماليون أنه من الضروري أن يعملوا على تحصين بلدهم الصغير والضعيف من النفوذ الذي يتوفر عليه جيرانهم، أو الذي قد يكتسبونه مستقبلاً. والواقع أن هذا أمر يصعب على الأميركيين فهمه، وهم الذين لا يقرؤون عن كوريا الشمالية أو يسمعون عنها سوى دعايتها الرسمية (البروباجاندا)، والتي يبدو لسنوات أنها تدعو لإضعاف الوجود الأميركي في شبه الجزيرة الكورية، وليس لإبقائه. والحال أن رحيلاً أميركياً هو آخر ما يرغب فيه "الشماليون"؛ غير أن كبرياءهم وخوفهم من الظهور بمظهر الضعيف يحول دون طلبهم صراحة من الولايات المتحدة البقاء في المنطقة. والواقع أنه إذا كانت للولايات المتحدة قوة، فهي لا تكمن في قدرتها على توفير الوقود أو الحبوب أو التعهد بعدم الاعتداء؛ وإنما تكمن في قدرة واشنطن على إقناع بيونج يانج بالتزامها بالتعايش مع كوريا الشمالية، والاعتراف بنظامها وقادتها، وإدراج "الشمال" ضمن رؤية أميركية لمستقبل شمال شرق آسيا. وببساطة، فإن الكوريين الشماليين يعتقدون أنهم يستطيعون أن يكونوا مفيدين ونافعين بالنسبة للولايات المتحدة ضمن لعبة ميزان قوى أطول وأوسع أمام الصين واليابان. والحقيقة أن الصينيين يدركون هذا الأمر أيضاً، ويصرِّحون به في مجالسهم الخاصة. إن المشكلة الأساسية بالنسبة لكوريا الشمالية تكمن في أن المحادثات السداسية التي انخرطت فيها -والتي يمكن أن تُستأنف قريباً- تمثل شكلاً مصغراً للعالم الاستراتيجي الذي تخشاه؛ ذلك أن ثلاثة خصوم استراتيجيين -هم الصين واليابان وروسيا- يجلسون في موقع الحكَم، ويمارسون ضغوطهم و(في رأي بيونج يانج) يحرصون على أن يبقى "الشمال" دائماً ضعيفاً. والحقيقة أن نزع أسلحة كوريا الشمالية، في حال مازال ذلك أمراً ممكناً، لن يتأتى إلى عندما ترى كوريا الشمالية حلاً لمشكلتها الاستراتيجية، وهو ما لن يحدث -في اعتقادها- إلا عندما تتحسن علاقاتها مع الولايات المتحدة. وهذا ما عكسته -بالنسبة لبيونج يانج- روح البيان المشترك الذي صدر عن المحادثات السداسية في التاسع عشر من سبتمبر 2005، والذي تضمن الجملة التالية: "إن كوريا الشمالية والولايات المتحدة تتعهدان بأن يحترم كل منهما سيادة الآخر، وتتعهدان بالتعايش بسلام، واتخاذ خطوات على درب تطبيع علاقاتهما وذلك وفق سياساتهما الثنائية". وهذا في الواقع هو السبب الذي يدفع "الشمال" إلى السعي بشكل حثيث إلى عقد محادثات ثنائية مع واشنطن؛ فكوريا الشمالية لا ترغب في اجتماعات مُرتجلة، أو لقاء هنا وآخر هناك، وإنما في محادثات دائمة يمكن خلالها بحث الأفكار والاتفاق على حلول حقيقية. روبرت كارلين محلل سابق بوزارة الخارجية الأميركية، شارك في معظم المفاوضات الأميركية- الكورية الشمالية ما بين عامي 1993 و2000 جون لويس أستاذ فخري بجامعة ستانفورد حيث يدير الدراسات الآسيوية بـ"مركز الأمن والتعاون الدوليين" التابع للجامعة ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"