وسط غياب عربي شديد، ووسط اغتباط إسرائيلي ظاهر، شهد هذا الأسبوع تردياً شديداً للحالة الأمنية في فلسطين، بين حركتي "فتح" و"حماس". وتحققت أسوأ الاحتمالات التي كنا نمنِّي النفس بإمكانية تجنُّبها، ولكنَّ الأماني والنوايا تكذب أحياناً كثيرة في أزماتنا العربية، وهذا ما نراه اليوم في غزة، بحذافيره. فقد انتقل "نشطاء" و"مناضلو" الفلتان والفوضى المقنَّعون وغير المقنَّعِين، من اختطاف الأجانب، إلى اختطاف المسؤولين والمواطنين أنفسهم. وانتهى بسرعة زمن النوايا الطيبة والتأكيدات التي طالما شنَّفت الآذان بأن "الدم الفلسطيني خط أحمر". ونطق الرصاص والقصف الأعمى. ولا غرابة في كل ذلك، فكل هذا الزمن المهدور من الدلال والتمنُّع في تشكيل حكومة وحدة وطنية، وكل هذا السِّباب والهجاء المقذع المتبادل عبر الفضائيات، وهذه التعبئة الداخلية الفصائلية المقيتة، والشحن الخارجي، مجرد مقدِّمات، وأما النتائج فهي ما نراه الآن بتفاصيله المرة القاسية، عبر مشاهد القتل والقصف العشوائي والخطف وحتى السَّحل، والبقية تأتي... بكل تأكيد. والأدهى من كل ذلك، أن الفلسطينيين عموماً شعب مبتلىً بطبقة سياسية يتصدرها بعض الرجال الذين يندفعون بشدة في القرارات الرديئة، ويتريَّثون بشدة أكبر في القرارات الصائبة. وإلا فما معنى بقاء حكومة "حماس" أصلاً في السلطة، بعد أن حرمتها تصريحاتها من أي اعتراف دولي؟ وبعد أن قطع عنها العالم الدعم، وعجزت عن تقديم مرتبات للموظفين الفلسطينيين الكادحين المطحونين البسطاء. وليس معنى هذا طبعاً أن موقف بعض قياديي "فتح" فوق كل الشبهات، أو غير جدير بالنقد، بل حتى الاستهجان. ونكاية في المواطن الفلسطيني البسيط المطحون لم تكتف القيادات الفصائلية بنشر مشاهد الترويع، وإشاعة أجواء الفتنة والحرب الأهلية بمساعدة من العناصر الفاسدة والمنفلتة، وغير الوطنية، المحسوبة على "فتح"، بل أعلنت أيضاً عن قطع جميع أنواع الحوار والاتصال والتنسيق والتفاهم مع حركة "فتح". ومعنى هذا الكلام واضح، شديد الوضوح، فطالما أنه لا كلام ولا سلام ولا تفاهم ولا اتصال، فهي الحرب الأهلية إذن، وليدخلها الجميع بـ"فرمان" أو بـ"فتوى" من حركة "حماس"، ومن حكومتها الفصائلية الفاشلة. ولعل هذا ما كانت تسعى إليه الحركة أصلاً بجميع خطواتها السابقة. فإدمان العمل وفق مبدأ أن السلطة الفصائلية تعلو على السلطة الوطنية الفلسطينية الرسمية، وفرض ازدواجية السلاح، والإبقاء على القرص الصلب الخشن من أجنحة "حماس" المسلحة، على رغم وصولها إلى سدة السلطة رسمياً، كل ذلك لم يكن بدون معنى. وها هي "حماس" تسقط اليوم القناع عن كل ذلك. وليس بعض قادة "فتح" فصائليي المنزع والمزاج، وذوي الأهواء والأغراض الشخصية غير البريئة، بمعزل قطعاً عن المسؤولية، فدورهم هم أيضاً كبير عما جرى وما سيجري، بكل تأكيد. فإطلاق التصريحات النارية غير المحسوبة، واستدعاء لغة الهجاء والتهديد وإطلاقها في عنان السماء، إلى غير ذلك مما سُجل على بعض قياديي "فتح" من هفوات وحماقة سياسية أعيت من يداويها، فيه أحد أمرين: إما أن يكون تفكيراً رغائبياً لاعقلانياً وغير قادر على قراءة خريطة وحجم التحديات القائمة على الأرض، وإما أن يكون تعبيراً عن نوايا فصائلية سيئة مبيتة ورغبة دفينة في التصعيد حتى النهاية، حتى لو تحولت "المعركة" في النهاية إلى معركة كسر عظم للجميع. والأنكى من كل ذلك، أن جميع الفلسطينيين خاسرون في هذه المواجهة. وفي هذه الأثناء يبقى النزيف الفلسطيني مستمراً، والجراحات تتسع، والعرب غائبون أو مغيَّبون، والحماقة السياسية على حالها... فتأمَّل!!