هل يختلف اجتماع اللجنة الرباعية الدولية المعنية بأزمة الشرق الأوسط الذي سيعقد يومي الخميس والجمعة القادمين في نيويورك عن أكثر من عشرين اجتماعاً لها على مدى نحو ثلاثة أعوام؟ السؤال مطروح بمناسبة التفاؤل الحذر الذي خلقته وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس خلال جولتها في الشرق الأوسط الشهر الماضي. فبالرغم من أنها لم تستطع تقليل حدة الأجواء القاتمة التي تسود هذه المنطقة, أو أن تبدد المخاوف من التسخين المتزايد في أزماتها, إلا أنها تركت وراءها أملاً جديداً غائماً مثله مثل كل ما سبقه من تطلعات بشأن استئناف المسار السلمي الفلسطيني- الإسرائيلي. غير أن معظم العرب لم يتعلقوا بهذا الأمل, حتى عندما أكدت أنها عائدة إلى المنطقة خلال أسابيع قليلة لتجمع الرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الإسرائيلي في لقاء معها وصفته بأنه قد يكون الأهم منذ انهيار المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية قبل ست سنوات. ولا يرجع ذلك فقط إلى وجود حالة تشبع بالآمال المحبطة على صعيد قضية فلسطين, على نحو خلق "مناعة" إزاء المزيد منها. فالمسألة ليست محض نفسية, ولا هي مجرد عدم ثقة في سياسة الولايات المتحدة التي كانت توصف ذات يوم بأنها "راعية" عملية السلام. فليس هناك في الواقع المعيش ما يمكن أن يدفع إلى الركض وراء أمل جديد, أو حتى انتظار مثل هذا الأمل. فالوزيرة الأميركية التي حاولت الإيحاء بأن المسار السلمي قابل للاستعادة لم تنطق بكلمة واحدة جديدة يمكن البناء عليها. فهي مازالت تعتقد في إمكان إحياء خطة "خريطة الطريق" بعد أن شبعت موتاً, وبدون أي تجديد فيها بدليل أنها لم تحمل إلى الفلسطينيين سوى وعد الدولة ذات الحدود المؤقتة. وهي لم تعلق على المقترح الذي استمعت إليه خلال توقفها في القاهرة, وهو أنه لا سبيل لإحياء "خريطة الطريق" إلا عبر تفاهم على نهاية الطريق منذ البداية. والفكرة في هذا المقترح هي أن خطة "خريطة الطريق" فشلت في توفير متطلبات البدء في البحث عن الطريق المؤدي إلى استئناف العملية السلمية لأن نهاية هذا الطريق -كما وردت في الخطة- متواضعة ولا تخلو من غموض. فقد قامت الخطة على التزامات متبادلة ينبغي أن يلتزم بها الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي وينزلا عليها من أجل فتح الطريق أمام مفاوضات تقود إلى إعلان دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة. هذه النهاية المتواضعة, وغير الواضحة, لعملية "سلمية" لا تمثل حافزاً للشعب الفلسطيني يدفع قطاعاً واسعاً فيه إلى قبول الالتزامات التي تفرضها الخطة, وخصوصاً ما هو قاسٍ ومؤلم في هذه الالتزامات مثل ما أُطلق عليه "تفكيك البنية التحتية لمنظمات الإرهاب". وكان لغموض هذه النهاية أثره في إضعاف السلطة الفلسطينية وقيادتها المعتدلة. فلم يكن في إمكانها إقناع شعبها بأن هناك ما يستحق اتخاذ قرارات أو إجراءات مؤلمة تجاه الأجنحة العسكرية للفصائل. فكان موقف المتشددين الفلسطينيين الذين رفضوا "خريطة الطريق" هو الأقوى والأكثر إقناعاً. ومن هنا يأتي الآن التصور المصري الذي يرى أنه لا جدوى من محاولة جديدة لإحياء "خريطة الطريق" بدون تفاهم على نهاية للطريق مقبولة من أغلبية الفلسطينيين. ويعني ذلك أن تكون هناك مرحلة تمهيدية للخطة تجرى خلالها مفاوضات بشأن مقومات الدولة الفلسطينية, بما في ذلك حدودها وموقع القدس فيها, قبل الشروع في تطبيق المرحلة الأولى التي ينفذ فيها كل من الطرفين الالتزامات التي تفرضها الخطة عليه. ولهذا التصور منطقه بالفعل, لأن التفاهم على نهاية الطريق يمكن أن يعزز مركز الرئيس الفلسطيني إذا كان في هذا التفاهم ما يلبي الحد الأدنى من الشروط اللازمة لدولة حقيقية وليست "دُمية" أو "دويلة كانتونات". وفي هذه الحالة, يمكن الحد من تأثير الاختلالات البنائية في "خريطة الطريق", والتي لا تقتصر على تواضع نهايتها. ومن أهم هذه الاختلالات غموض مفهوم التبادلية في تنفيذ الالتزامات المفروضة على كل من الطرفين, والعمومية المفرطة في صياغة بعض ما يخص إسرائيل في هذه الالتزامات, وعدم وجود آلية للرقابة على مدى الوفاء بهذا الالتزام أو ذاك. فقد أدى عدم وضوح التبادلية في الالتزامات إلى سهولة تملص الجانب الإسرائيلي من الالتزام بوقف العنف, الأمر الذي دفع الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية إلى عدم الالتزام بدورها. وترتب على ذلك مطالبة كل من الطرفين بأن يثبت الآخر التزامه, وشيوع الاتهامات المتبادلة بينهما بالمسؤولية عن استمرار أعمال العنف. وكان سهلاً لكل من الطرفين الزعم بأنه في موقف دفاع عن النفس. كما استغلت حكومتا إسرائيل السابقتان اللتان رئسهما أريل شارون عمومية الصياغة في الالتزام الخاص بوقف الاستيطان لمواصلة البناء بدعوى استيعاب الزيادة الطبيعية في داخل المستوطنات القائمة. فالنص الخاص بالاستيطان في الخطة قابل لتفسير مؤداه أن الممنوع هو بناء مستوطنات جديدة, وليس البناء في داخل مستوطنات قديمة. ولم يكن في الخطة, أيضاً, ما يمنع بناء الجدار العازل الذي كان يقضم في كل امتداد له مساحات من فلسطين 1967 التي يفترض أن تكون الدولة الموعودة على كامل أرضها. وهكذا كانت "الخريطة" تحمل في طياتها ما يجعلها مرشدة لطريق شديد الوعورة, وليس ذلك الطريق الممهد الذي يفترض أنها صُممت لتكون دليلاً إليه. ومع ذلك يظل مصدر الخلل الأهم فيها هو أن الطريق الذي ترشد إليه لا يقود إلى نهاية معقولة للشعب الفلسطيني تجعله مستعداً لقبول إلزام رجال المقاومة بالتخلي عن سلاحهم أو وقف استخدامه وإخلاء الطريق للمفاوضين. ولا جدوى من أي جهد جديد للعودة إلى مائدة المفاوضات بدون تغيير النهاية التي أحبطت الجهود السابقة, حتى إذا أبدت واشنطن استعداداً للقيام بدور أكثر جدية والتزاماً وأقل انحيازاً لإسرائيل هذه المرة. فربما تكون كوندوليزا رايس صادقة فيما أوحت به خلال جولتها الأخيرة. فلابد أن إدارة بوش التي لم يبقَ أمامها سوى أقل من عامين, تخشى أن تخلف وراءها سجلاً من الفشل التام في الشرق الأوسط. وربما يكون تحريك العملية السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين هو النجاح الوحيد الذي يمكن أن تحققه إذا أخفقت استراتيجية بوش الجديدة- القديمة للعراق في انتشال إدارته من الوحل الذي غرقت فيه, وفشلت في كبح جماح إيران. فإحدى سمات المعضلة الفلسطينية أن إحراز تقدم محدود فيها يصنع فرقاً واضحاً. فليس متصوراً بطبيعة الحال أن تحقق واشنطن اختراقاً في حل هذه المعضلة خلال أقل من سنتين, ولا هي مستعدة لذلك. ولكنها قد تستطيع استعادة المسار السلمي بحيث تغادر مواقع السلطة وقد تركت وراءها شيئاً واحداً في الشرق الأوسط ينطوي على أمل مهما كان خافتاً. ولكن حتى إذا كان هذا ما تفكر فيه كوندوليزا رايس, فهو يظل بعيد المنال من الناحية الواقعية. فقد تأخرت واشنطن كثيراً في الاهتمام بالصراع الفلسطيني- الإسرائيلي الذي تركته يتفاقم على مدى سنوات ست منذ إدارة بوش الأولى, إلى أن صارت معالجته أكثر صعوبة بسبب عمق الانقسام الفلسطيني غير المسبوق, وشدة الارتباك الذي تعانيه إسرائيل منذ حربها الفاشلة على لبنان. ويعني ذلك عدم وجود قيادة قادرة على المضي في طريق سلمي جديد, ناهيك عن أن تستطع صنع سلام. ففي كل من فلسطين وإسرائيل قيادة ضعيفة متهافتة. فالرئيس الفلسطيني محمود عباس صار من الضعف إلى حد أن يضطر للذهاب إلى زعيم "حماس" خالد مشعل في دمشق. ورئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت الذي ورث شعبية شارون الكبيرة ضرب رقماً قياسياً من حيث المدى الذي بلغه انحسار هذه الشعبية في وقت قصير. والغريب أن وزيرة خارجية الدولة الأعظم تعتقد أن في إمكانها تحريك العملية السلمية في مثل هذه الظروف, ولا ترى أن طرفي هذه العملية المفترضين يفتقدان القيادة والاتجاه والاستعداد. فيا لها من مفارقة: فالدولة الأكثر إنتاجاً للمعرفة في هذا العصر تفتقد إلى أدنى معرفة بما ينبغي أن تعرفه على صعيد سياستها الخارجية من فلسطين إلى إيران مروراً بلبنان وسوريا والعراق وغيرها!