قدم الوسيط الأممي "مارتي أتيساري" يوم الجمعة الماضي مقترحاته بشأن الوضع النهائي لكوسوفو، وهي مقترحات من الأرجح أن تكون وضعت هذا الإقليم الذي مزقته الحرب على طريق الاستقلال. وبالرغم من أن تحقيق هذا الهدف ما زال بعيداً بعدة أشهر ومرهوناً بتصويت الأمم المتحدة عليه، فإن تقديم المخطط يعد خطوة مهمة في اتجاه نزع التوتر الذي أفضت إليه الحرب في أوروبا قبل ثماني سنوات. وحسب دبلوماسيين غربيين اطلعوا على المخطط، فإن التوصيات تمنح الإقليم اليوغسلافي السابق حرية إعلان الاستقلال عن صربيا؛ ولكنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى أنه يفرض إشرافاً دولياً على الإقليم، يشبه كثيراً ذلك الذي كان قائماً في البوسنة، وذلك بهدف توفير الحماية لصرب كوسوفو. ونتيجة لذلك -يقولون- إن المقترحات المقدمة لا ترقى إلى الاستقلال التام الذي تطمح إليه أغلبية سكان الإقليم الألبان. وتقضي المقترحات بوجود دولي قوي في الإقليم، وتقوم -حسب "ريمي دورلو"، المتحدث باسم "أتيساري"، الذي تحدث من فيينا حيث تم تقديم المخطط- على "عدة تدابير تروم ضمان حقوق الأقليات وحمايتها". إذ من المرتقب أن تظل قوات "الناتو"، التي عملت على حفظ السلام في البلاد منذ انتهاء الاقتتال عام 1999، في مكانها في الوقت الراهن. وإذا كانت بعثة الأمم المتحدة التي تدير البلاد تعتزم حزم أمتعتها وشد رحالها، فإنها -يقول دبلوماسيون- من المنتظر أن تُستبدل بمنظمة دولية أخرى تتمتع بسلطات تنفيذية تسمح لها بإبطال أي تشريع لا ينسجم والتزامات كوسوفو تحت اتفاقيات الأمم المتحدة. في حال وافق مجلس الأمن الدولي على المخطط، فمن المتوقع أن تسرع كوسوفو بإعلان استقلالها ويمكنها أن تتوقع اعترافاً سريعاً بها من قبل مؤيديها الأميركيين والأوروبيين، حتى وإن رفضت صربيا خطوة مماثلة. إلا أن الدبلوماسيين يشيرون إلى أن هذه الخطوة ربما تكون بعيدة بعدة أشهر. وفي هذا السياق، يقول أحد الدبوماسيين الغربيين في فيينا طلب عدم نشر اسمه لأنه لم يُسمح له بالتعليق على المقترح قبل الإعلان عنه رسميا:"أتوقع أن يتطلب المخطط بعض الوقت، وقد نصبح في وضع مختلف تماماً"، مضيفاً "لا أحد يمكنه توقع حركية مجلس الأمن". وقد قدم "أتيساري" توصياته إلى ممثلي ما يسمى بـ"مجموعة الاتصال" – الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا- خلال اجتماع عُقد بمكان سري في فيينا. ومن المرتقب أن يقدَّم الجمعة المقبل إلى الحكومة الصربية في بلجراد والحكومة الكوسوفية في بريشتينيا، على أن تتاح لهما فرصة طرح الأسئلة واقتراح التعديلات التي تريانها ضرورية. وبعد ذلك، حين يشعر "أتيساري" أنه استنفد المفاوضات، من المتوقع أن يقدم مخططه إلى مجلس الأمن الدولي من أجل اعتماده. والحال أن موقفي كوسوفو وصربيا مازالا متباعدين؛ كما يستبعد الخبراء أن يتمكن "أتيساري" من جسر الهوة بين الطرفين. والواقع أن روسيا، التي تدعم جهود صربيا الرامية إلى الاحتفاظ بكوسوفو كإقليم، تعمل -حسب دبلوماسيين في فيينا- على إرجاء تصويت مجلس الأمن إلى أن تنتهي بلجراد من تشكيل حكومة بعد الانتخابات الأخيرة. ومما يذكر هنا أن حزب صربيا القومي الراديكالي جاء في المرتبة الأولى بعد أن أحرز 28 في المئة من الأصوات هذا الشهر، غير أن الأحزاب الديمقراطية التي أتت في المركزين الثاني والثالث تتوفر على حظوظ أقوى لتشكيل ائتلاف. "أتيساري"، وهو رئيس سابق لفنلندا، لم يوضح متى ينوي تقديم المقترحات إلى مجلس الأمن من أجل اعتماده، غير أن دبلوماسيين مشاركين في المفاوضات قالوا إنهم يضغطون في اتجاه حدوث هذا الأمر الربيع المقبل. وحسب دبلوماسي مطلع على المخطط، فإن هذا الأخير يمنح كوسوفو حق الانضمام إلى اتفاقيات دولية ومنظمات دولية باعتباره دولة تتمتع بالسيادة. كما ينص على أن يتولى "الناتو" تدريب قوة دفاع مدنية يمكن أن تصبح لاحقاً جيش كوسوفو، وإن كان من غير الواضح مصير "أسلاك الحماية"، التي تضم مقاتلين سابقين من "جيش تحرير كوسوفو" الذين اتهموا بمساعدة المتمردين الألبان في مقدونيا. وتظل كوسوفو بموجب المقترح تحت إشراف المجتمع الدولي. وفي هذا الإطار، يقوم الاتحاد الأوروبي حاليا بتشكيل قوة شرطة يفوق عدد أفرادها 1000 ضابط من أجل مراقبة شرطة الإقليم وقضاته وممثلي الادعاء العام، بل وحتى حراس السجن. ولعل أصعب جزء من المخطط يتعلق بالتعاطي مع الـ114000 صربي في كوسوفو، الذين يرفض معظمهم الاستقلال عن صربيا. ومن أجل تطمين الأقلية بأن حقوقهم ستصان، قيل إن بعض المناطق الصربية ستُمنح حكماً ذاتياً، وحرية تلقي بعض المساعدات من الحكومة الصربية لبناء المدارس والمستشفيات. كما قيل إن مخطط "أتيساري" يقضي أيضاً بإنشاء بلديات جديدة حيث توجد تركزات للصرب.ومن ناحية أخرى، يقول الدبلوماسيون إنه سيكون بمقدور المشرعين الصرب في برلمان كوسوفو وقف بعض التشريعات إذا رأوا أنها تشكل تمييزاً ضد الأقلية الصربية. كما ينتظر أن تُمنح المؤسساتُ الصربية الدينية حمايةً خاصة بمقتضى المقترح. ويبلغ عدد سكان كوسوفو، التي تعادل مساحتها تقريباً مساحة ولاية كونتكيت، مليوني نسمة، 90 في المئة منهم ألبان مسلمون، نظرا للحكم العثماني الذي كان قائماً هناك. وقد كانت كوسوفو منطقة تتمتع بالحكم الذاتي داخل الفدرالية اليوغسلافية إلى عام 1989، عندما حاول سلوبودان ميلوسوفيتش تأكيد وفرض سلطة بلجراد على الإقليم. وهو ما أدى إلى انتفاضة للألبان، تم قمعها بوحشية قبل أن يتدخل "الناتو" ويشن حملة قصف جوي على قوات ميلوسوفيتش في مارس 1999. وقد وضعت الحرب أوزارها في يونيو من ذاك العام بعد أن انسحبت القوات الصربية من كوسوفو وحلت محلها قوات "الناتو". وأصبح إقليم كوسوفو بعد ذلك تحت وصاية الأمم المتحدة مع تعهد بتحديد وضعه النهائي مع مرور الوقت؛ غير أن "الناتو" حذر مؤخراً من أن صبر ألبان كوسوفو في انتظار حل بدأ ينفد. غريج إيس. سميث ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسل "نيويورك تايمز" في باريس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع صحيفة "نيويورك تايمز"