بين خطر "العرقنة" في لبنان... ومأزق العولمة في دافوس! القراءة الفرنسية للتطورات الأخيرة في الأزمة اللبنانية، ودلالات مضمون خطاب بوش عن "حالة الاتحاد"، وتناقضات ومخاطر العولمة المتوحشة، موضوعات ثلاثة نضعها تحت دائرة الضوء في استعراض سريع لافتتاحيات بعض الصحف الفرنسية. لبنان وخطر "العرقنة": تحت هذا العنوان كتب بيير روسلين افتتاحية صحيفة لوفيغارو ليوم أمس السبت، وفيها أكد أن الدعم الدولي الكبير الذي سقطت بموجبه 7.6 مليار دولار من المانحين الدوليين، وكأنها هدية من السماء لحكومة فؤاد السنيورة، هذا الدعم يبقى بلا معنى أو فائدة إذا اتجهت الأمور إلى المزيد من التردي الأمني بين أنصار الحكومة والمعارضة في بلاد الأرز. وما زاد المخاوف أكثر موافقة توقيت مصادمات يوم الخميس الماضي في شوارع بيروت، لاجتماعات مؤتمر "باريس 3"، وكأن تلك المصادمات العنيفة أُريد من ورائها إفشال المؤتمر، أو التأثير على حجم الأموال الموضوعة فيه على الطاولة. ومما يزيد دواعي التشاؤم بشأن الوضع في لبنان ارتباطه الشديد بتأزم المشهد الإقليمي عامة. وفي الوقت الراهن ليس الشحن القائم في بيروت غريباً بأي وجه عن التصعيد المتزايد بين واشنطن وطهران، وهذا ما يمكن قراءته بوضوح في تنامي راديكالية مواقف المعارضة اللبنانية، وميلها نحو تصليب مواقفها وترجمة التصعيد إلى أعمال عنيفة في الشارع. ويمضي روسلين معتبراً أن معركة الآخرين وفي مقدمتهم دمشق وطهران وواشنطن وباريس على الأرض اللبنانية، هي ما يدفع اللبنانيون ثمنه من استقرار بلدهم، ومن إمكانية الإقلاع به مجدداً من مخلفات ومعاناة حرب الصيف التي دمرت فيها إسرائيل بنيته التحتية. ومثلما أن المجتمع الدولي دعم لبنان يوم الخميس الماضي بسخاء، نظراً إلى حجم النقود التي جُمعت، فإنه أيضاً لابد من ضغط خارجي على مختلف الأطراف لوضع حد لحالة الاحتقان الخطيرة القائمة. ولعل السعودية هي من يقع في أفضل موقف لمساعدة اللبنانيين على التوصل إلى تسويات، خاصة في ضوء اتصالاتها الأخيرة مع طهران، ولقدرتها على إلقاء جسور من نوع ما إلى سوريا. ومع أن المشتركات المرتبطة بضرورة تلافي الحرب الأهلية في العراق أكثر بين الرياض وطهران منها بينهما في لبنان، إلا أنه ليس من مصلحة أي من الطرفين أن تنزلق بلاد الأرز إلى حالة أخرى من "العرقنة"، التي لا يمكن التنبؤ بنهاياتها الممكنة. وفي صحيفة لوموند كان عنوان الافتتاحية "طوارئ في لبنان"، وبدأت بتقرير حقيقة أن الحروب الأهلية نادراً ما تكون مخططة مسبقاً أو بقرار إرادي، بل إن معظمها يندلع نتيجة أحداث عرضية أو صدف عمياء. وهذا ما يخشى أن ينزلق إليه لبنان الآن، وهو البلد الذي ما زالت ذكرياته عن الـ15 سنة من الحرب الأهلية حاضرة في الأذهان. ونظراً إلى ارتباط الأزمة اللبنانية بحزام الأزمات المشتعلة في الشرق الأوسط من المواجهات في غزة، والحرب الأهلية في العراق، وربما أيضاً المواجهة غداً في إيران، فإنه لا بديل عن تكاتف جهود جميع الأطراف المعنية لتجنيب لبنان ارتماءً غير محسوب في حرب أهلية جديدة، إن اندلعت فلا فائدة من الدعم المالي الدولي الذي منحه مؤتمر "باريس 3" هذا الأسبوع. خطاب جورج بوش: خطاب الرئيس الأميركي عن "حالة الاتحاد" كان موضوع افتتاحيات عديدة في الصحافة الفرنسية. في "لالزاس" اعتبر "أندريه سليكت" أن النبرة الإيكولوجية الجديدة التي ميزت الخطاب الغرض منها واضح، بل مفضوح، وهو مغازلة الأغلبية "الديمقراطية" الجديدة في الكونجرس الأميركي. ولولا ذلك فبوش طبعاً ليس هو أفضل من يتحدث في المجال البيئي تحديداً، مقارنة مع المرشح "الديمقراطي" الأسبق، ونائب الرئيس، آل غور، الذي استعار ساكن البيت الأبيض هذا الأسبوع ديباجات واضحة من أطروحاته التقليدية. وهذا ما تنبه إليه أيضاً "باسكال أوبير" في "لا تريبين"، الذي أكد أن من يعرف حب الأميركيين لقيادة السيارات والتجول بها، ومن يعرف القوة المتنامية للحركات الخضراء في أميركا، سيدرك الكثير من مما أراد بوش توصيله إلى جمهور شعبه، بحديثه عن مسائل البيئة والوقود... الخ. أما في لوموند فقد جاءت افتتاحية عن الموضوع نفسه اعتبر كاتبها أن كشف استطلاعات الرأي العام عن معارضة ثلثي الأميركيين لاستراتيجية بوش الجديدة في العراق، كانت له آثاره في الموضوعات التي أراد الرئيس الأميركي إسماع مواطنيه آراءه حولها. فقد جنح لمسائل الطاقة ومواجهة الإحماء، وترك موضوع العراق ينزلق إلى أماكن متوارية من الخطاب. ولأن الأغلبية "الديمقراطية" تعارض إرسال المزيد من الجنود إلى بلاد الرافدين آثر قادتها استقطاب بعض النواب "الجمهوريين" إلى صفوفهم، حتى لا يبدوا أمام الرأي العام كما لو كانوا "غير مسؤولين" أو متخاذلين. وقد جاءهم الدعم سريعاً من السيناتور "جون وارنر"، وهو "جمهوري" ووزير سابق للبحرية أيام حرب فيتنام. ومع تنامي عدد أعضاء حزبه المؤازرين لخصومة "الديمقراطيين" طلب بوش من رفاقه إعطاءه "فرصة أخيرة" اعتبر أنها هي وحدها ما يمكن أن يسمح لأميركا بتفادي تحقق "أسوأ السيناريوهات" في العراق. ولكن هل تكفي حتى "فرصة أخيرة" لتفادي الكارثة التي تسبب فيها بوش؟ إنه وحده هو من يعتقد ذلك. العولمة... وازدواجية الشخصية: في صحيفة لومانيتيه كتب "موريس أولريك" افتتاحية بعنوان: "سعداء!"، تناول فيها بالنقد أجواء التفاؤل التي سادت هذه الأيام منتدى دافوس، حول مؤشرات استمرار النمو الإيجابي للاقتصاد العالمي، معتبراً أن دواعي التشاؤم من العولمة وتبعاتها الكارثية هي ما كان ينبغي أن يكون حاضراً في المنتجع السويسري. فحقيقة ما يتعرض له عالم اليوم من كوارث العولمة هي تلك الحاضرة في المنتدى الاجتماعي الموازي الذي عقد هذه السنة في نايروبي، بالتزامن مع منتدى دافوس. فالعولمة زادت الفقراء فقراً، ودمرت موارد قارات بكاملها. وعلى سبيل المثال، يقول الكاتب، فإن نفس اللحظة التي كان 90% من مرفهي دافوس يعبرون فيها عن تفاؤلهم بأن "الأجيال القادمة ستعيش في عالم أكثر ازدهاراً"، كانت نقابات العمال تتظاهر في فرنسا احتجاجاً على نقل عشرات المصانع إلى الصين، بطريقة تهدد بإفقاد الطبقة العاملة الفرنسية، قرابة مليون فرصة عمل ممكنة. وفي السياق نفسه كتب "أريك بوشيه" في صحيفة لوموند، مقالاً بعنوان: "العولمة الشيزوفرينية"، أكد فيه أن كل قلاع الأوهام والأحلام العولمية انهارت الآن على عروشها. فمقولة "نهاية التاريخ" قُبرت يوم 11 سبتمبر. وعالم ما بعد الشيوعية بدا أنه ليس شاطئ أحلام وردية كما صورته الميثولوجيا الليبرالية طويلاً. والرأسمالية حتى لو كانت انتصرت، فإن كل يوم جديد يؤكد أنها ما زالت تحوي في طياتها بذور فنائها. أما اقتصاديات العولمة التي خرجت أصلاً للعالم على أنقاض حياة ملايين الفقراء خاصة في آسيا، فما زالت على حالها في إعطاء ظهرها لعالم الجنوب الفقير. "إنه عالم مزدوج الشخصية هو ما يطالعنا"، هكذا قال كارل شواب، مؤسس منتدى دافوس. إنه "عالم يزداد تعقيداً، ويزداد فهمه صعوبة أيضاً"، حيث يتجاور الفقر المدقع مع الغنى الفاحش، والنمو الصاروخي مع الركود القاتل، والازدهار ومع اللامساواة. إعداد: حسن ولد المختار