جميع دول وشعوب العالم المتقدم، وانضمت إليها إسرائيل وإيران؛ تخطط وتقرر وتسعى إلى تنفيذ مشروعها الخاص الذي يضمن تحقيق مصالحها في منطقة الشرق الأوسط التي يقع فيها الإقليم العربي ما عدا العرب، شعوباً وحكومات، فعقود من الزمن تأتي وأخرى تمضي، والعرب يراوحون في المكان نفسه. فهل لا يتأثر العرب بالزمن، أم أن العرب لا يشعرون بمضي الزمن، أم أن الزمن قد نسي وجود كيان يسمى العرب، أم أن العرب مستعصُون على التغيير ومواكبة تطورات العصر، أم أن العرب أنفسهم نسوا أن لهم مصالح حيوية يجب أن يسعوا للمحافظة عليها وحمايتها؟ أسئلة كثيرة بسيطة الطرح ولكنها مُستعصية على الحل تبحث عن إجابات، ولسان حالها جميعاً يطرح تساؤلاً مهماً هو: هل لدى العرب مشروع وطني، أم أنهم مسيَّرون وفق مشروعات الآخرين؟ بعبارة أخرى.. هل يملك العرب خريطة للإبحار في تضاريس المستقبل؟ وهل لديهم بوصلة توجههم في متاهات الزمن القادم، أم أنهم مفعول بهم لصالح مستقبل الآخرين؟ نطالع في وسائل الإعلام على تنوعها نقاشاً جاداً ونقداً حاداً يستمر لفترات ويخبو فترات أخرى، من مسؤولين ومثقفين ومفكرين عرب للمشروعات المطروحة من مختلف الاتجاهات والتيارات الخارجية، ولكن أحداً لم يتنبه إلى عدم وجود مشروع وطني عربي، أو على الأقل يبحث عن الموقف العربي من صنع مشروعه للمستقبل. يجري الحديث دائماً عن مشروع أميركي للشرق الأوسط، مرتكزاته أمن إسرائيل، والسيطرة على النفط، والشيعة في العراق، والمسيحيون في لبنان، ونشر الطائفية في الدول الأخرى التي تعارض المصالح الأميركية، بما يكرس حقيقة وجود الإمبراطورية العظمى التي تملك زمام الكون. كما يوجد مشروع إسرائيلي واضح التوجه هو القضاء على القضية الفلسطينية، ويهدف إلى مقايضة السلام العربي بسلام إسرائيلي، والاعتراف بإسرائيل قوة إقليمية عظمى في منطقة الشرق الأوسط، ومرتكزاته امتلاك الردع الشامل النفسي والمادي، وفرض الأمر الواقع، وإبادة المقاومة الفلسطينية. وفي الواقع فإن هذا المشروع يتشابه مع مشروع طهران في المنطقة، حيث تسعى إلى فرض نفسها كقوة إقليمية كبرى، مرتكزاتها الشعارات الثورية باسم الإسلام، واستغلال الشيعة في المنطقة لفرض مصالحها، وتكريس الخلل الاستراتيجي في الميزان العسكري، والتمسك بمبدأ خالِف تُعرف. حتى الإرهاب بات له مشروعه الخاص في الشرق الأوسط، فهو يسعى إلى تنصيب أنظمة متطرفة في الحكم تعتمد على أدوات العصور الوسطى لتسخير الشعوب لخدمة لوردات التخريب والدمار، ووكلاء إبليس على الأرض، مرتكزاً على الرعب المطلق ونصب المجازر للأبرياء واصطناع الجنون. إن المشكلات والتحديات التي تواجه العرب على مدى أكثر من خمسين عاماً معروفة وواضحة، ففلسطين وما أطلق عليه "الصراع العربي- الإسرائيلي" ظلت حتى الآن الشماعة التي يعلق عليها العرب أسباب تخلفهم، وفشل مشروعاتهم التقدمية، وتراجع قدراتهم وإمكانياتهم، وإخفاق دورهم الإقليمي والعالمي، في حين لم يتساءل أحد كيف استطاعت إسرائيل الدولة العنصرية أن تمتلك قدرات تكنولوجية عالمية؛ وتنتج منظومات أسلحة استراتيجية تنافس فيها أقوى دول العالم إنتاجاً للسلاح، ولديها أسلحة نووية تستطيع بواسطتها توجيه ضربة نووية ساحقة لكل عواصم الدول العربية، رغم أنها الطرف المقابل في الصراع، الذي يواجه نحو 20 دولة عربية، ولم يشغلها عدوانها المستمر على الدول العربية والفلسطينيين عن أن تكون لها اليد العليا في فرض الأمر الواقع وإحراز التقدم في مجالات عدة. أما العراق فلقد انزلق إلى أحضان إيران الفارسية، وأصبحنا في انتظار إعلان نهاية "الدولة العراقية" وقيام "الدولة الشيعية" التي ستكرس لانتشار الطائفية في العالم العربي، وتدفع في اتجاه التقسيم والانقسام بين دوله إلى دويلات، كجزء من مشروع "طهران- تل أبيب" في المنطقة، وتتحمل القيادات الشيعية في العراق وحدها مسؤولية ما يحدث فبيدها السلطة، ولديها ما يكفي من المليشيات والعناصر المسلحة، ثم إنها مطمئنة إلى الدعم الأميركي من ناحية، والغطاء الإيراني من ناحية أخرى. وفي لبنان يجري صراع إرادات بين مشروعات عدة لقوى خارجية بأيدٍ لبنانية، ولا أحد يدري أين المشروع الوطني اللبناني؟ بل وأين لبنان نفسه من المشروع العربي؟ وكان الأمل معقوداً بعد وضع حد للحرب الأهلية اللبنانية، أن يأخذ شعب لبنان زمام المبادرة ليكون طليعة المشروع العربي، خاصة أن التاريخ يشير إلى أن الحروب الأهلية في العالم تفرز عدة إبداعات وكفاءات، ونخباً تقود الدول نحو المستقبل بخطى ثابتة بعد أن كابدت ويلات الحرب. إلا أن لبنان شذ عن هذه القاعدة التاريخية، وبعد أكثر من أربعة عقود أعاد للأذهان أجواء الصراع الداخلي وظروف الحرب الأهلية، ولا ندري أين الشعب اللبناني ومصالحه الحيوية ومن الذي يدافع عنها في إطار المشروع الوطني حيث الكل يتهم الكل؟ وإذا انتقلنا إلى السودان ومشكلاته وتحدياته وأزماته الداخلية، نجد رفض الخرطوم لكل التدخلات الخارجية وقرارات الأمم المتحدة لوضع حد للوضع الإنساني المتدهور في السودان، ولا يوجد حتى الآن طرح سوداني مخلص لمشروع وطني يضع حداً شافياً للأزمات، رغم مرور أكثر من خمسة عقود من الزمن على ما يحدث فيها. أما الصومال الذي كان يوماً ما قبل التسعينيات من القرن الماضي بلداً عربي الانتماء، وقومي التوجه، فقد أصبح اليوم إفريقي الانتماء وقبلي الطابع وطائفي الصراع، وسقط في براثن مشروعات أجنبية تبحث عن مصالحها الخاصة، ويتجه إلى الانقسام والتشرذم مثل حال العراق، والبديل أن يصبح كياناً ملحقاً بأثيوبيا التي تشن عليه حرباً طائفية يشاهدها العرب بصمت القبور. ثم ماذا فعل العرب تجاه من يحتل أراضيهم في الإمارات العربية المتحدة وسوريا والمغرب؟ ومن سيضع حلاً نهائياً وشاملاً لكل خلافات الحدود العربية التي ما زالت تشق الصف العربي؟ وأين المشروع العربي الداخلي للإصلاح والتطوير والتنمية السياسية، والذي يضمن فك الاشتباك بين الكراسي والحكومات، ويضمن التداول السلمي للسلطة، واستعادة الشعوب لحقوقها في التعبير عن إرادتها، وألا تكون الحقوق منحاً وهبات تتكرم بها الحكومات على شعوبها العربية، وأن تسهم هذه الشعوب في صنع القرارات السياسية، وتشارك في مكافحة الفساد والمحسوبية، وتملك إرادة التغيير وإقامة الحكم الصالح؟ وحتى الآن لم يستطع العرب سد الخلل في الميزان التجاري بين الصادرات والواردات، وتجسير الفجوة في الأمن الغذائي، ومعالجة ثقافة الاستهلاك والتشجيع على الإنتاج، وأن تأخذ الصناعات العربية مكانها على المستويين الإقليمي والدولي، وتركز على التنمية الشاملة، وتستفيد من أحدث تكنولوجيات العصر للانطلاق نحو المستقبل. ولا يملك العرب مشروعاً وطنياً لعلاج الأمراض الاجتماعية المتوطنة، من الأمية والجهل والبطالة وانتشار ثقافة الهزيمة، وضعف القدرة على الإنتاج، والشعور بالقهر والاضطهاد، والتطرف والعنف، ناهيك عن التخلف العربي في مجال التقنيات. كل هذا يفرض على العرب أمراً واحداً: أن يكفوا عن الكلام ويبدؤوا الفعل؛ أن يكفوا عن البحث عن شماعات للتحجج بها في عدم وجود مشروعهم الوطني، ويقرروا من اليوم أولى خطواتهم تجاه مشروع وطني شامل يكون جسراً نحو المستقبل، وينفضوا عن أنفسهم غبار السنين، ويطرحوا أرضاً المعوقات، فلم يعد هناك مكان للاختباء أو طريق للهروب، فالتحديات والمخاطر أمامهم، ومشروعات الهيمنة على رقابهم.