هل نكون قد بدأنا نحن الأميركيين في الانتباه إلى احتمال مواجهة أزمة طاقة إذ لم نغير من أساليبنا في وقت ما مستقبلاً؟ وهل شرعنا في تقبل البراهين والأدلة التي تشير إلى تنامي ظاهرة الاحتباس الحراري الناتجة عن إسرافنا في استهلاك الطاقة الملوثة للبيئة؟ وماذا عن السياسيين... هل هم مستعدون للمجازفة باتخاذ بعض الخطوات المكلفة سياسياً لاجتراح الحلول التي قد تؤثر على جيب المواطن العادي؟ الواقع أن هناك إشارات متزايدة على انطلاق نقاش جاد في الأوساط السياسية بسبب تنامي الإحساس بمشكلة الاعتماد المفرط على النفط كوقود لسياراتنا، وما لذلك من نتائج سلبية على التلوث البيئي، واحتمال أن يفضي في النهاية إلى تحرك فعلي. وفي هذا الصدد يقوم "الديمقراطيون" الذين يسيطرون حالياً على الكونجرس باتخاذ سلسلة من الخطوات الأولية علهم يعالجون قضية الاعتماد المكثف على الوقود الأحفوري ويقللون من نسبة التلوث العالية. في الأسبوع الماضي نجح "الديمقراطيون" ضمن الجهود التي يبذلونها، في طرح تشريع يقضي بوقف الإعفاء الضريبي الذي كان يتمتع به منتجو النفط المحليون والبالغة قيمته 14 مليار دولار، حيث ستوجه تلك الأموال إلى تطوير مصادر بديلة لإنتاج الطاقة. ومن المتوقع أن ينضم مجلس الشيوخ إلى مشروع القرار ويمنح تأييده للجهود الرامية إلى الحد من اتكال الولايات المتحدة شبه المطلق على النفط لتوفير احتياجاتها من الطاقة. وإذا كانت هناك من قضية مهمة تستحق تعاون الحزبين الكبيرين في أميركا معاً من أجل ضمان مستقبل أفضل للأجيال اللاحقة، وتحتل الصدارة في أجندة "الجمهوريين" و"الديمقراطيين" على حد سواء، فهي مسألة تطوير أنواع بديلة من الوقود تكون أخف ضرراً على البيئة. ومهما بدا الاختلاف محتدماً حول الضرر الفعلي الذي يلحق بالبيئة، ومدى ارتباط الاحتباس الحراري بانبعاث الغازات الملوثة في الهواء، فإن التقرير الذي أصدرته الهيئة الأممية حول ظاهرة ارتفاع درجة حرارة الأرض يظهر بوضوح أن الاحتباس الحراري يرتبط ارتبطاً وثيقاً بالأنشطة البشرية. وأكثر من ذلك، أشارت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن الأمم المتحدة بصدد إصدار تقرير آخر يؤكد احتمالات مسؤولية الأنشطة البشرية عن ظاهرة الاحتباس الحراري خلال نصف القرن الأخير بسبب الآثار الناجمة عن انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون، وغازات سامة أخرى قد تصل إلى 90%. ولم يعد أحد يشكك، بفضل الأدلة المتوافرة للجميع، في ارتباط ارتفاع درجة حرارة الأرض بذوبان كتل جليدية ضخمة في القطب الشمالي تهدد بزيادة منسوب المحيطات وإغراق بعض المناطق الساحلية. وفي ظل المظاهر المتعددة للتغير المناخي البادية للعيان يعكف العلماء على تتبع تداعياته الخطيرة في مختلف مناطق العالم. وعلى سبيل المثال لاحظ العلماء أن الشتاء هذا العام جاء دافئاً على نحو لافت في المناطق الغربية من روسيا، حيث ارتفعت درجات الحرارة بـ13 فهرنهايت عن المعتاد. وفي هذا الإطار نقلت وكالات الأنباء عن "سيرجي جوليف"، وهو أحد علماء المناخ البارزين في روسيا قوله: "إن الاحتباس الحراري يؤثر على حركة العواصف في شمال الأطلسي ما يجعل روسيا خاضعة إما للرياح العاصفة، أو للطقس الدافئ". وأضاف "جوليف" أن فصول الشتاء الدافئة كانت تأتي في السابق مرة كل عشر أو خمس عشرة سنة، لكنها اليوم تأتي مرة كل سنتين، أو ثلاث سنوات. وفي خطاب الرئيس بوش عن "حالة الاتحاد" الذي تطرق فيه إلى الجهود الأميركية في مجال الحد من الاحتباس الحراري فإنه لابد من الإشارة أنها ليست المرة الأولى التي يعبر فيها عن انزعاجه من التغير المناخي، بل سبق وأن تطرق إلى الموضوع ذاته في خطابه لعام 2006. فقد استنكر بوش وقتها "إدمان أميركا على النفط"، وأبدى اهتمامه بالسيارات المهجَّنة وبإمكانية إحلالها محل السيارات التي تستخدم البنزين. لكن مع ذلك ظلت الجهود دون المستوى المطلوب، إذ لم تصل إلى ما كان يطالب به البعض من فرض ضريبة إضافية تتراوح بين دولار ودولارين على الجالون الواحد من البنزين. ويبدو أن الاهتمام الشعبي عاد مجدداً لينصب على الطاقة المتجددة ليس فقط للسيارات، بل المصادر الأخرى مثل الرياح والطاقة الشمسية، فضلاً عن الطاقة النووية الموجهة للاستخدام الداخلي. ورغم عدم وجود مواقف موحدة بين الحزبين، أو حتى داخل الحزب الواحد إزاء قضية تطوير مصادر بديلة للطاقة، إلا أن اهتمام "الديمقراطيين" الحالي والوعي بخطورة الاحتباس الحراري وارتباطه بالتغير المناخي من شأنهما أن يعمقا النقاش بين الأميركيين حول الخطوات الواجب اتباعها في هذا الاتجاه. ورغم المكانة الكبيرة التي تحتلها قضايا السياسة الخارجية الأميركية في الانتخابات الرئاسية، واحتمال استمرارها في انتخابات 2008 مع استفحال الأزمة العراقية، إلا أنه من المتوقع أيضاً أن تحظى قضية الطاقة باهتمام مرشحي الانتخابات الرئاسية المقبلة. وفي هذا السياق يبرز المرشحان "جون ماكين" السيناتور "الجمهوري" من ولاية أريزونا، و"الديمقراطي" باراك أوباما من ولاية إلينوي، باعتبارهما من أهم المدافعين عن سن تشريعات جديدة في مجال الطاقة. ولأن قضايا الطاقة وتأثيراتها المتشعبة الكثيرة أصبحت تمس المصالح القومية العليا للولايات المتحدة فلابد من النأي بها عن الخلافات الحزبية وجعلها محطاً للتعاون المشترك بين الحزبين "الجمهوري" و"الديمقراطي". جون هيوز ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مساعد وزير الخارجية الأميركية في إدارة الرئيس ريجان ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"