معذرة على الإعادة والتكرار، غير أن لي ردة الفعل نفسها إزاء المقترحات التي اشتمل عليها خطاب الرئيس جورج بوش الأخير عن "حالة الاتحاد"، فيما يتعلق بسياسات الطاقة. وقد أوتيت الفرصة لبوش، لأن يحول بلاده باتجاه مصادر الطاقة النظيفة واستخداماتها عالية الكفاءة. بل وواتته الفرصة لتسجيل لحظة تاريخية فارقة، شبيهة بـ"زيارة نيكسون إلى الصين"، أي أن يقود بلادنا نحو مستقبل أكثر خضرة، رغم كونه شخصية نفطية شقت طريقها إلى البيت الأبيض من ولاية تكساس. لكن بدلاً من ذلك، فقد آثر بوش قيادة بلادنا إلى "نيو مكسيكو"، ولم يصل بنا بعد إلى هناك. وما أن قرأت تعليقات الرئيس، واستمعت إلى فتور ردة فعل الجمهور، وألقيت نظرة على آخر نتائج استطلاعات الرأي العام الأميركي حول أداء إدارته، حتى بدا لي أن الأميركيين قد اتخذوا قراراً بإقالته من منصبه، عبر صناديق الاقتراع في انتخابات نوفمبر الأخيرة. ولذلك فإننا لا نفعل شيئاً الآن سوى مراقبته وهو ينظف طاولة مكتبه استعداداً للمغادرة. ذلك أن سياسات الطاقة التي أفصح عنها في خطابه الأخير، وكذلك قراره الخاص بزيادة عدد قواتنا في العراق، هما أفضل ما تبقى في جعبته، في لحظة انسحابه هذه. لكن المشكلة أنه سيواصل جمع أغراضه من مكتبه لعامين آخرين مقبلين، في حين أن الأميركيين يستحقون أفضل من هذا الانتظار الطويل بكثير. وكم يسرني أن أرى "الديمقراطيين" وهم يضعون هذا البديل الأفضل للانتظار، على طاولة الرئيس، فيما يتصل بسياسات الطاقة واستراتيجية العراق. فما أكبر معضلتي العراق والتغير المناخي، وما أشقهما على الانتظار الكسول مدة عامين كاملين، حتى تحل علينا لحظة الخلاص الأخير، بقدوم عام 2009! ذلك هو ما قاله "فريد كراب"، رئيس منظمة "الدفاع البيئي"، والذي قال أيضاً: "ذلك ليس بخيار البتة، وربما كان في الانتظار الطويل هذا تسلية لنا، غير أن المطلوب هو بروز قيادة أميركية في هاتين القضيتين، علماً بأن على هذه القيادة أن تبرز الآن وليس غداً". وفيما يتصل بسياسات الطاقة، لم تكن المقترحات التي قدمها بوش خلواً من المعنى، على حد ملاحظة المستشار الاستراتيجي "بيتر شفارتز": "ذلك أن نداءه الخاص بفرض معايير استهلاك الطاقة على السيارات الأميركية، سيساعد على تحويل مسار الحوار الدائر حول ما إذا كان علينا إلزام الشركات المصنِّعة للسيارات بتطوير سيارات أعلى كفاءة في استهلاك الطاقة، إلى مناقشة مدى النجاح الذي يمكن أن تحققه شركاتنا في هذا المجال". وبالقدر ذاته، تسهم دعوته في زيادة إنتاجنا لطاقة "الإيثانول" وغيرها من مصادر الطاقة البديلة، إلى خمسة أمثال ما هي عليه الآن. بيد أن المشكلة تكمن في التفاصيل وليس في إقرار المبادئ العامة. فعلى سبيل المثال، هل يمكن للفحم الحجري المسال أن يكون أحد هذه البدائل، مع العلم بأن في وسعه زيادة درجات الإحماء الشامل، أم أن علينا تبني مصادر الطاقة غير الأحفورية وحدها؟ أما حين يأتي أمر معايير "الميل/ طاقة"، فالمتوقع أن تمارس شركات السيارات كل ما بوسعها من ضغط على البيت الأبيض، لإرغامه على إجراء تغييرات محدودة. وتبقى المبادرة الأكثر جرأة والأكبر أثراً، والتي كان ينبغي على بوش تقديمها في هذا الصدد، هي الدعوة إلى فرض نظام تجاري، يهدف للسيطرة على انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، من قبل شركات الطاقة والمصانع وشركات السيارات. أو كبديل آخر، يمكن فرض ضريبة الكربون على المنتجات ذاتها. وفي كلا البديلين ما يشكل حافزاً لنا للتخلص من المعدات والمباني والسيارات التي تفرز كميات كبيرة وضارة من غاز ثاني أكسيد الكربون، واستبدالها بعكسها. وفي رأي "كراب" أنه ليس ثمة سبب واحد يمنع "الديمقراطيين" من وضع أي من هذين البديلين على طاولة الرئيس بوش، خاصة أنه سيوقع عليهما بكل تأكيد. ولا يكفي أن يعقد "الديمقراطيون" جلسات استماع حول التغير المناخي، بل عليهم استخدام سلطتهم الجديدة، للعمل الجدي على تغيير المناخ. وفيما لو خطوا خطوة كهذه، فلن تكسبهم تأييد ودعم الجمهور فحسب، وإنما تأييد الشركات والاستثمارات أيضاً. يذكر أن تجمعاً من خيرة الشركات الأميركية، على شاكلة "جنرال إليكتريك" و"دو بونت" و"ديوك إنيرجي" و"ألوكا" وشركة "كاتربلر"... إلى جانب مجموعة من المنظمات البيئية، قد أصدر "نداء عمل" للتو، من أجل تبني برنامج تجاري في مجال الطاقة، يهدف إلى خفض انبعاث الغازات. أما فيما يتصل بالعراق، فقد علمت من حديث مع أحد كبار قادتنا العسكريين مؤخراً، مدى قلقهم من تصعيد بوش مع طهران. ومصدر هذا القلق، هو أنه لم يتسنَّ لنا الفوز حتى الآن بحرب واحدة على العراق، في حين يبدو بوش وطاقمه مندفعين لإشعال نار حرب أخرى مع إيران. ورغم تأييدي لسياسات التلويح بالعصا في وجه طهران، فالمطلوب هو أن تكون هذه العصا أداة رافعة للحوار الدبلوماسي مع كل من إيران وسوريا حول العراق. وكما قال "والي نصر"، مؤلف كتاب "الإحياء الشيعي"، فإنه يجب أن يخضع كل شيء الآن لحل الأزمة العراقية، وإنه حين يكون بيت أحدهم يحترق، فعليه ألا يسعى لإشعال النار في بيت الجوار. وليستصحب هذه الزيادة التي أقرها بوش لعدد قواتنا في العراق، تعزيز لما أوصت به لجنة "بيكر- هاملتون"، فيما يتعلق بعقد مؤتمر إقليمي، تدعى إليه كل من دمشق وطهران وعمان والرياض وبغداد، للجلوس والتفاوض معاً من أجل إعادة الأمن والاستقرار للعراق. وقبل أن يدفع "الديمقراطيون" باتجاه سياساتهم الداعية للانسحاب، فعليهم أن يدفعوا إلى طاولة الرئيس، بأجندة تعزيز الدبلوماسية الأميركية أولاً. توماس فريدمان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"