المواجهة الكلامية الحادة بين رئيس الجمهورية السوداني ونائبه الأول، وهو زعيم "الحركة الشعبية" ورئيس حكومة الجنوب، تلك المواجهة لم تنته عند يومها (الثلاثاء قبل الماضي) ولا في مكانها (جوبا عاصمة الجنوب)... بل امتدت لتصبح حديث اليوم في كامل السودان. إن الصراع الكلامي يستمر ويعطي الانطباع بأنه قد يؤدي لفصل الجنوب عن الشمال، أو على الأقل إلى وضع اللبنة الأولى لجعل ذلك الانفصال حقيقة. لقد تناول أكثر من قائد من قادة حزب "المؤتمر الوطني"، ما دار بين الرجلين على أعمدة الصحف وفي باقي وسائل الإعلام، وانبروا دفاعاً عن أقوال رئيس الجمهورية ورداً على أقوال نائبه، محاولين تفنيدها، ملقين باللوم في عدم تنفيذ الاتفاقية على عاتق "الحركة الشعبية" وعلى رئيسها بالتحديد. ولما كانت الحركة ليست بذات القدر من النفوذ الإعلامي، فإن صوت الناطقين باسمها، ما زال دون صوت الجانب الآخر. ولعل ذلك ما أبعد رئيس "الحركة الشعبية" عن الخرطوم، حيث مقر الهيئة الرئاسية التي تضم الرئيس ونائبه الأول والنائب الآخر، بل ظل رئيس "الحركة الشعبية" في الفترة الأخيرة يقضي جل وقته في الجنوب، ولا يحضر الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء. ويرد قادة الجنوب بأن غياب رئيسهم عن الخرطوم لم ولن يكون سبباً في عدم تنفيذ الاتفاقية، فجوبا التي يقيم فيها مدينة سودانية وكان من اليسير استدعاؤه للخرطوم في أي وقت. لكن "الإنقاذيين" لا يريدون تنفيذ الاتفاقية، لأنها تسلبهم قدراً من سلطاتهم المطلقة وتمهد الطريق لحريات واسعة ولنقل الحكم من شمولي وأحادي إلى تعددي وديمقراطي. ومن الشكاوى التي يرددها قادة الجنوب، منذ بداية التحالف وتشكيل الحكم الذي يضم الطرفين ويمنحهما نحو 80% من مقاعد السلطة؛ أن هذا الوضع المتأزم يُظهِر أنه لا طريق لإنهاء الخلاف وحسمه إلاّ باللجوء إلى إحدى ثلاث وسائل: - العودة إلى مجموعة دول "الإيغاد" صاحبة اقتراح الحل لإنهاء الحرب. وفي هذا بدأت حكومة كينيا التي كانت أنشط بلدان "الإيغاد" في حل نزاع الشمال والجنوب، تحركاً هدفه التوسط بين شريكي الحكم في السودان وتقرير من هو المقصر في تنفيذ الاتفاقية والوصول إلى حل. والمؤشرات الحالية تقول إن "الإنقاذيين" لا يتحمَّسون لهذا الحل ويتمنون تفاديه. - إشراك بعثة الأمم المتحدة في السودان، بغية الوصول إلى حل ينهي الأزمة القائمة، لكن الأمم المتحدة لم تبدِ حتى الآن رغبة في التوسط أو حتى إبداء رأي. - فتح باب التحالف الحكومي ليشمل قوى المعارضة، وبذلك يكون الشركاء الجدد وسطاء في تحديد من المذنب ومن البريء، وهو طرح ظل يردده زعماء أحزاب المعارضة لعدة أعوام مضت، وهم اليوم على قناعة بأنه لو تم إشراك كل القوى السودانية في اتفاقية "نيفاشا"، لأمكن تفادي كثير من المشاكل والأزمات، لكن لا "المؤتمر الوطني" قبل وجهة النظر هذه، ولا شريكه الآخر، أي "الحركة الشعبية"، قبلها أيضاً! وبعد، فها هي وحدة السودان كله أصبحت في خطر، وذلك قبل أن يحين موعد الاستفتاء عليها بعد نحو أربعة أعوام من الآن.