يصنف الأمين العام الجديد للأمم المتحدة "بان كي مون" دارفور ضمن قائمة أولوياته؛ غير أن وضع حد للعنف الدائر هناك، والذي تصفه الولايات المتحدة بـ"الإبادة الجماعية"، يشكل في الوقت نفسه أول اختبار رئيسي لرئيس المنظمة الدولية، ولمصداقيته كقوة معنوية عالمية، ولقدرته على دفع المجتمع الدولي، ومعه السودان، إلى الإتيان بأفعال، وليس بأقوال. التزام "بان كي مون" بإيجاد حل للنزاع في دارفور، بدا واضحاً من اعتزامه المشاركة في قمة الاتحاد الأفريقي، التي من المزمع أن تلتئم في إثيوبيا يوم الاثنين المقبل؛ حيث ينوي الالتقاء هناك بالرئيس السوداني عمر حسن البشير وإقناعه بقبول نشر قوات "مختلطة" لحفظ السلام تابعة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في الإقليم. ويقول مسؤولو الأمم المتحدة إن "بان"، الذي استلم مهامه على رأس المنظمة الدولية في الثاني من يناير الجاري، لا يرغب في فقدان "الزخم" الذي يُعتقد أنه أُحرز في العام الماضي، عندما بعث "البشير" برسالة إلى أمين عام الأمم المتحدة السابق "كوفي عنان"، بدا فيها موافقاً على فكرة القوات المختلطة. وفي هذا السياق، يقول مسؤول أممي من مكتب الأمين العام : "إن المشكلة تكمن في أن السودانيين يوافقون على بعض الأمور، ولكنهم سرعان ما يتراجعون ويتلكأون. وبالتالي، فإن ما نخشاه اليوم هو أن يقرروا القيام بلفتة، ثم يقرروا استغلال التحول من "عنان" إلى "بان" من أجل المماطلة"، مضيفاً "وبالتالي، فمن الأفضل أن نواصل العمل بما تمت الموافقة عليه سلفاً". ويرى بعض خبراء دبلوماسية النزاعات أن اجتماع "بان" والبشير، يشكل خطوة جيدة أولى، غير أنهم يقولون إنه يستطيع القيام بأكثر من ذلك. وفي هذا الإطار، يقول "لي فينشتاين"، الخبير في المؤسسات الدولية بـ"مجلس العلاقات الخارجية" بواشنطن: "إن الأهم اليوم هو حث البلدان على المساهمة بقوات من أجل نشرها في الإقليم مثلما وافق على ذلك مجلس الأمن العام الماضي"، مضيفاً أن "بان يستطيع القيام بهذا الأمر، وهو ما من شأنه أن يبعث برسالة قوية وحازمة للسودانيين". كما يرى "فينشتاين" أن على "بان"، الذي حظي ترشحه لمنصب الأمين العام بدعم كل من واشنطن وبكين، أن يلجأ إلى الصين من أجل التعهد بالمساهمة في قوات لحفظ السلام إلى دارفور؛ ذلك أنه بالنظر إلى الشراكة الاقتصادية المهمة التي تربط بكين بالخرطوم، فإن أي قوة أخرى لا تستطيع أن تضاهي قوة الرسالة التي يمكن لبكين أن تبعث بها. والواقع أن الصين، التي بدأت تبدي اهتماماً بصورتها الدولية بشكل متزايد، تبحث حالياً انخراطها المتزايد في القارة الأفريقية عموماً، وفي السودان بصورة خاصة. إلا أنها تشدد في الوقت نفسه على أن تعاونها من أجل إيجاد حل لنزاع دارفور ينبغي أن يكون ذا طبيعة دبلوماسية وليس عسكرية. وكان الرئيس الصيني "هو جينتاو"، أعلن في وقت سابق من هذا الأسبوع عن اعتزامه زيارة السودان الشهر المقبل من أجل محادثات مع القادة السودانيين من المرتقب أن تشمل أيضاً أزمة دارفور. وقد أعلن سفير الصين في الأمم المتحدة "وانج جوانجيا"، الذي التقى بـ"بان" هذا الأسبوع في نيويورك، أنه أوضح للأمين العام دعم الصين لحل دبلوماسي في دارفور قائلاً: "لقد جددت للأمين العام دعمنا لإيلاء موضوع دارفور الأولوية التي يستحق، واستعدادنا للعمل معه من أجل إحراز تقدم بهذا الخصوص". وفي إشارة إلى تلميحات السودان الأخيرة إلى انفتاحها على المشاركة الخارجية، أضاف قائلاً: "لقد رأينا بعض الإشارات المهمة خلال الأسابيع الأخيرة الماضية، وأعتقد أننا نرى مؤشرات تبعث على التفاؤل". "بان" التقى هذا الأسبوع مع مسؤول من وزارة الخارجية السودانية، حيث أعرب له عن قلقه إزاء تواصل القصف الجوي الذي تقوم به الحكومة السودانية في شمال دارفور. وأثار أيضاً موضوع التحرشات والهجمات التي استهدفت موظفين من الأمم المتحدة في دارفور. والحال أن الضغوط باتجاه عمل دولي أكثر قوة ما فتئت تتزايد وتتكاثف في أوساط أخرى؛ حيث دعت عدة منظمات لحقوق الإنسان، كمنظمة "هيومان رايتس ووتش" و"ائتلاف حماية دارفور"، الاتحاد الأفريقي إلى رفض ترشح السودان لرئاسة المنظمة ذات الثلاثة والخمسين عضواً. ففي رسائل إلى بلدان الاتحاد الأفريقي، قالت هذه المنظمات إن فعالية الاتحاد الأفريقي ودوره في إيجاد حل لأزمة دارفور سيضعفان ويتأثران سلباً في حال تولى السودان رئاسة الاتحاد. وبموازاة مع ذلك، دعت مجموعة تضم أعضاء في مجلس "الشيوخ" من الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة الرئيسَ بوش إلى الكشف عن أي مخططات للإدارة الأميركية تروم تقوية مقاربتها تجاه نزاع دارفور. وكان "أندرو ناسيوس"، المبعوث الرئاسي لدارفور، حذر الحكومة السودانية في اجتماع بالخرطوم الشهر الماضي من أن الولايات المتحدة ستنتقل إلى مخطط جديد يقوم على تدابير أكثر قوة وحزماً في حال لم يشرع السودان في فتح أبوابه في وجه قوة دولية أكبر من السبعة آلاف جندي التابعين للاتحاد الأفريقي المنتشرين في الإقليم حالياً. ويرى "فينشتاين"، الذي أعد دراسة جديدة حول المسؤوليات الدولية في النزاعات الداخلية مثل نزاع دارفور، أن على "بان كي مون" أيضاً أن يبدأ في اعتماد إصلاحات من شأنها تلافي حدوث أزمات شبيهة بدارفور في المستقبل؛ إذ يقول "على بان كي مون أن يستغل إيجابيات البداية الجديدة التي يتوفر عليها من أجل تطوير الوسائل اللازمة لتلافي تحول النزاعات إلى مآسٍ دولية على غرار دارفور"، داعياً "بان" إلى استغلال تبني الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة في 2005 لمفهوم يُدعى "مسؤولية توفير الحماية"، التي تدعو المجتمع الدولي إلى التحرك لحماية المدنيين في البلدان حيث الحكومات غير قادرة أو غير راغبة في القيام بذلك. ــــــــــــــــــــــــ محرر الشؤون الخارجية في "كريستيان ساينس مونيتور" ــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"