رغم الطفرة العقارية الكبرى التي تشهدها دولة الإمارات، والتي استقطبت استثمارات قياسية على مستوى المنطقة، تجاوزت قيمتها 1.4 تريليون درهم خلال العام الماضي وحده، ما يضع السوق العقارية الإماراتية في المرتبة الأولى عالمياً، بحسب بعض الإحصاءات الصادرة مؤخراً، فإن هذه السوق تعاني خللاً متعدد الوجوه، سببه الأساسي عدم تناسق النمو العقاري مع المتطلبات الحقيقية لقطاعات السوق المختلفة، الأمر الذي أدى إلى استمرار ارتفاع الأسعار والإيجارات في هذه السوق، رغم ازدياد المعروض من العقارات بوتيرة قياسية، وبمعدلات عامة تزيد على معدل نمو الطلب العقاري نفسه، في حالة نادرة قد يؤدي استمرارها إلى حركة تصحيحية كبرى تعيد الأمور إلى نصابها. إن كثافة الاستثمار العقاري الذي تشهده الدولة حالياً، بمعدلات وقيم مطلقة، هي الأعلى على مستوى العالم، تطرح تساؤلات عديدة حول مدى تلبية هذه الاستثمارات للنمو المتصاعد في الطلب على عدد من القطاعات العقارية المهمة، وفي مقدمتها السكن الاقتصادي والفنادق. إن تمركز القطاع العقاري في الدولة حول الوحدات السكنية الفاخرة، التي يتعدى عائد الاستثمار فيها 20%، على أساس نظام التمليك ضمن مشروعات التطوير العقاري الكبرى، أدى إلى إهمال قطاع السكن الاقتصادي المخصص لتلبية احتياجات أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة على أساس نظام الإيجار، الذي تصل عائدات الاستثمار فيه إلى نحو 10%. وفي ظل الطلب المتزايد على الفنادق، وتحديد سقف أعلى للزيادة السنوية في الإيجارات، كل ذلك أدى إلى تزايد ظاهرة تحويل البنايات السكنية إلى شقق فندقية، ما يشكّل مصدراً جديداً للضغط على وحدات السكن الاقتصادي، رغم أنه يسهم في إيجاد حل سريع لمشكلة القطاع الفندقي، حيث اضطرت أبوظبي مؤخراً إلى تأجير اثنتين من السفن السياحية للعمل كفنادق عائمة، وتوفر 675 غرفة حتى نهاية الشهر المقبل، وذلك لاستيعاب الطلب المتزايد على مرافق الإقامة والضيافة أثناء البطولات الرياضية والفعاليات والمعارض التي تستضيفها الإمارة. كما حقق القطاع الفندقي في الدولة عموماً أعلى نسبة إشغال بين فنادق منطقة الشرق الأوسط، خلال العام الماضي، بمتوسط بلغ 85%، بينما كان أداء فنادق أبوظبي الأسرع والأفضل من حيث النمو في العائدات وأسعار الغرف بين فنادق المنطقة على الإطلاق. هذه المعطيات تؤكد أن السوق العقاري في الدولة، يسير من غير خطط أو سياسات واضحة، ما يؤدي إلى إرباك جميع الحسابات بشأن الاتجاهات المستقبلية لهذا السوق. وبقدر ما يؤدي هذا الاختلاف في النمو بين فئات الطلب وفئات العرض إلى ضغوط على مستوى الأسعار والإيجارات، فإنه يحمل مخاطر أكبر على صعيد مستقبل الاستثمار العقاري بالدولة، في حال وصول العرض في بعض القطاعات إلى مرحلة الفائض، وتراجع عائدها الاستثماري إلى مستويات قد تؤثر سلباً في القطاع العقاري، ويمتد تأثيرها بالتالي إلى معظم قطاعات الاقتصاد الوطني، بحكم دور الاستثمار العقاري كمحرك رئيسي لعجلة الاقتصاد. إن المعالجة طويلة المدى لوضع السوق العقاري بالدولة تتطلب إعادة تفعيل قوى السوق العقاري على أساس تحرك الاستثمارات وفقاً لنمو الطلب الفعلي، الأمر الذي سيؤدي إلى توازن أفضل بين العرض والطلب، ويوجِّه الاستثمارات نحو تلبية الاحتياجات الفعلية المتصاعدة، بما يضمن للمستثمرين تحقيق أفضل عائد استثماري ممكن على المدى الطويل من دون احتمال التعرّض لتراجع حاد في العائدات. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.