يبدو أن النقاش الذي دار منذ فجر النهضة العربية وحتى الآن: بأيهما نبدأ، الثورة أم الإصلاح؟ مازال دائراً حتى الآن. فقد اختار جمال الدين الأفغاني الثورة نظراً ليأسه من إصلاح الدولة العثمانية. فقد قضى على جوهر الإسلام في فترات معينة سابقة بعضُ سلاطينه المستبدِّين وعلمائه الجاهلين. وبعد فشل "الثورة العرابية" فضل الشيخ محمد عبده الإصلاح التدريجي للفقه واللغة العربية والنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما أدى إلى نجاح الليبرالية فيما بعد ثورة 1919 حتى انتهت عام 1952. واستمر النقاش في النصف الثاني من القرن العشرين بعد اندلاع الثورة المصرية عام 1952. كان "الضباط الأحرار" يمثلون الثورة ضد الإنجليز والإقطاع، وانسحبت القوات البريطانية من الضفة الشرقية وقناة السويس في 1954 في حين أراد اليمين الإقطاعي الإصلاح عن طريق التدرج في التغير الاجتماعي، والحوار مع الغرب دون الصِّدام معه، والمفاوضات مع إنجلترا دون معاداتها. والرأسمالية الوطنية مرحلة متوسطة للتحول من الرأسمالية الغربية إلى الاشتراكية السوفييتية. كما أراد اليسار مزيداً من التحول الاشتراكي، من الإقطاع إلى الاشتراكية العلمية، ومن التحالف مع الغرب إلى التحالف مع الشرق. وكما تحولت الثورة إلى ثورة مضادة من الخمسينيات والستينيات إلى السبعينيات والثمانينيات في القرن الماضي، كذلك توقف الإصلاح، وتجاوزه الواقع من وجهة نظر البعض، وأصبح الناس يتوقون إلى مرحلة جديدة تتجاوز الثورة والإصلاح معاً. لذلك برز مفهوم النهضة، وهو من إرث القرن التاسع عشر، النهضة العربية الأولى. وتحول إلى نهضة شاملة ليعبِّر عن متطلبات المرحلة الأولى. وتقلصت طموحات هذا الجيل، ودارت حول الإصلاح من جديد. ويتضمن حرية المواطن أولاً، وديمقراطية الحكم ثانياً، في جدول الأعمال الوطني. ويتسع أكثر ليشمل حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والإدارة العليا في جدول الأعمال الغربي. وفي كلتا الحالتين تتوارى قضايا استكمال حركة التحرر الوطني في فلسطين والعراق، وإعادة توزيع الثروة الوطنية بما يحقق أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية، ووحدة الأمة ضد مخاطر التجزئة العرقية والطائفية، والتنمية المستقلة ضد تهريب رؤوس الأموال إلى الخارج وبيع الأصول والاستيراد والاعتماد على المعونات الخارجية، والدفاع عن الهوية ضد التغريب والتمييع والتحالف مع الآخر والتبعية له، وحشد الناس وتجنيد الجماهير ضد اللامبالاة والفتور والاستكانة وغياب الحراك الاجتماعي. ونتيجة لتأخر الإصلاح قد يتأزم الوضع السياسي بين الدولة الأمنية والمعارضة الضعيفة من ناصريين وليبراليين وماركسيين، أو محظورة من حركات دينية. وينكمش دور الدولة- القاعدة، والشقيقة الكبرى، فقد تتآكل الأطراف أو تبحث لها عن مركز آخر تنجذب إليه، ويعطيها الحماية والإحساس بالأمان. وقد ينعزل الشعب عن النظام السياسي لأنه يعطي الأولوية للصراع مع قوى الهيمنة الخارجية أو الإقليمية على حساب الحريات العامة والتعددية السياسية والمشاركة في الحكم. وقد ينتج أيضاً تفتيت المجتمع من الداخل ونشأة جماعات العنف المسلح لتغيير الواقع بالقوة وبحد السيف. فكثرة الضغط من الخارج تولد الانفجار من الداخل، وشدة القهر من أعلى تولد جماعات العنف من أسفل. فتنشغل الدولة بسيطرة قوى الأمن، الجيش والشرطة عليها حفاظاً على النظام. وقد ينتج عنه تدخل القوى الأجنبية تحت ذريعة الدفاع عن الأقليات، والتطهير العرقي والتعددية الثقافية كمقدمة لتفتيت الدولة الوطنية. وقد يكفي الزعيم الملهم القائد ببصيرته وحنكته. ويتفرد بقرار فوقي للإصلاح طبقاً لأهوائه المتقلبة شرقياً ثم غربياً، اشتراكياً ثم رأسمالياً، مقاوماً ثم مسالماً. وقد يحكم تيار واحد أو حزب واحد يقصي باقي التيارات لما تمثله من "خطورة" على النظام السياسي. وقد يؤدي إلى الحرب الأهلية بين فرقاء الأمس وشركاء الوطن الواحد. تدمير كل شيء، الأرض والشعب، الثورة والإصلاح، وإلقاء التهم المتبادلة بالتكفير والتخوين. إذا ما تأخر الإصلاح يستمر حكم الأحزاب أو العسكر. وقد يكون ذريعة لعدوان خارجي بحجة رعاية الإرهاب أو امتلاك أسلحة الدمار الشامل. يعني تأخر الإصلاح توقف الحراك الاجتماعي الطبيعي، والجدل التاريخي. ويصبح الحكم والشعب خارج الزمن. فإذا ما تحرك الزمن بفعل الأفراد والجماعات وقوانين التاريخ والجدل الاجتماعي في الداخل قبل الخارج انهار البناء كله بفعل الهزات الأرضية. وكلما تأخر الإصلاح ظهرت جماعات العنف السياسي بحكم قانون الفعل ورد الفعل. فكل فعل له رد فعل مساوٍ وفي الاتجاه المضاد. وقد تنشأ جماعات مسلحة علنية فوق الأرض بدعوى الدفاع عن حقوق الأقليات. وتقع الحروب الأهلية التي يغذيها الغرب، الاستعمار والصهيونية، من أجل تفتيت الدول الوطنية التي ساهمت في القضاء على الاستعمار في عصر التحرر الوطني. ومازالت تناضل ضد الصهيونية لاسترداد حقوق شعب فلسطين. عنف بعنف، ودم بدم، وقتل بقتل: "إذا اقتتل المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". فإذا كانت الثورة قد انقلبت إلى ثورة مضادة باستثناء المقاومة الوطنية في فلسطين والعراق، وإذا كان الإصلاح قد تأخر وبدأت المجتمعات في التفكك والأوطان في التحلل، وكان من الصعب العودة إلى الثورة وحلم الخمسينيات والستينيات، فعلى الأقل: لماذا يتأخر الإصلاح وهو أضعف الإيمان؟ والخطوة الأولى فيه الحريات العامة والحقوق الطبيعية للإنسان والمواطن، حرية التعبير عن الرأي، وحرية الحركة والانتقال، وحق الاختلاف والتعددية السياسية، وحق الاختيار الحر للحاكم وللنظام السياسي، وحق المواطنة الذي يتساوى فيه الجميع بصرف النظر عن دين أو مذهب أو طائفة أو عرق أو عائلة أو عشيرة، والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع من ينتسبون إلى وطن واحد. تأخر الإصلاح يعطي ذريعة للقوى الخارجية للتدخل بجدول أعمالها ومشاريعها للمنطقة باسم "الشرق الأوسط الكبير" أو "الشرق الأوسط الجديد" الذي يدور في الفلك الأميركي- الصهيوني أو "المتوسطي"، الذي يكون فيه الشمال مصدِّراً والجنوب مستهلكاً، وتكون إسرائيل عنصر التحديث فيه، وقسمة الوطن العربي إلى آسيوي وأفريقي، مشرقي ومغربي. الخليج أقرب إلى آسيا، والمغرب أقرب إلى أوروبا. تأخر الإصلاح يعني تفتيت الأوطان وفك عرى الوحدة الوطنية، والوقوع في اقتتال طائفي مذهبي عرقي دون حوار سياسي وطني يجمع بين التيارات الفكرية والسياسية في البلاد، والاتفاق على حد أدنى من الوفاق الوطني والبرامج السياسية مع أكبر قدر ممكن من التعددية السياسية. فالحق النظري متعدد، والحق العملي واحد بتعبير الفقه القديم. المذاهب والأيديولوجيات السياسية تتعدد وتتغير بتغير المراحل التاريخية والأطر الثقافية، ولكن المصالح العامة ثابتة. تتغير النظم السياسية بتغير الأجيال، والدول ثابتة عبر العصور. تأخر الإصلاح في الداخل يعطي ذريعة لفرضه من الخارج. والأفضل ألا يتأخر، "بيدي لا بيد عمرو". بل من الضروري أن يتسارع للحاق بما فات من ركود في النظم واستكانة في الشعوب.