الخليج والغرب: اختلاف المصالح والارتباطات منذ اكتشاف النفط أوائل القرن الماضي، في منطقة الخليج العربي، ترسخت فيها أنظمة وسقطت أخرى، وتصارعت قوى أجنبية كبرى على النفوذ، وقامت تحالفات وانهارت تحالفات أخرى. وإذ تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة في قدرتها الواسعة على تلبية متطلبات أسواق الطاقة العالمية من النفط، فإن لجميع الدول مصلحة في استمرار إمدادات الذهب الأسود واستقرار أسعاره، لكن مصالح دول كبرى كالولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا، تبقى أكثر تاثيراً في تطورات ومصائر المنطقة. لذلك يركز الكتاب الذي نعرضه هنا، وعنوانه "المصالح الدولية في منطقة الخليج"، على مستويات الارتباط واختلافها بين تلك الدول وإقليم الخليج العربي، وهي المستويات التي "يمليها أساساً ما يعتقد كل طرف أنه جزء من مصلحته القومية"، كما يقول الدكتور جمال سند السويدي في تقديمه للكتاب، والذي يتألف من خمسة فصول كتبها خمسة خبراء متخصصين، توزعت بين دفتي هذا الكتاب في 200 صفحة. في فصل عنوانه "أولويات السياسة الأميركية في الخليج: التحديات والخيارات"، يقول السفير "مارتن إنديك" إن مصالح الولايات المتحدة في المنطقة ترتكز على أمن إمدادات النفط، والحيلولة دون سيطرة أي طرف مُعادٍ للولايات المتحدة على نفط الخليج، مما يتطلب تمركز القوات الأميركية في المنطقة، لذا فإن سياسة "ضمان تدفق النفط دون عوائق وبأسعار معقولة" هي التي وجهت الاستراتيجية الأميركية في الخليج منذ منتصف القرن الماضي. لكن واشنطن اعتمدت في ذلك على لعبة توازن القوى، والتي عرضت مصالحها الاستراتيجية للخطر؛ ففي البداية اعتمدت على شاه إيران، لتطيحه ثورة الخميني التي زعزعت الاستقرار في المنطقة ردحاً من الزمن، ثم اعتمدت على صدام حسين في مواجهة إيران، ليجتاح الكويت متجاوزاً الخط الأحمر للمصالح الأميركية! ثم تبنت الولايات المتحدة خلال عقد التسعينيات استراتيجية "الاحتواء المزدوج" ضد إيران والعراق. ثم مع نهاية ذلك العقد، بدأت سعيها لإطاحة النظام العراقي، وللدخول في حوار مع إيران. وهي السياسة التي تعززت بعد 11 سبتمبر 2001، وحققت "نتيجتها المنطقية" بحلول عام 2004؛ أي إزالة نظام صدام حسين، وأفول نجم الإصلاحيين الإيرانيين! ورغم أن للمملكة تاريخاً طويلاً في المنطقة، فهي تتبنى الأهداف ذاتها، لذلك نقرأ في الفصل الذي كتبته الدكتورة "روزماري هوليس" تحت عنوان "المنهجية البريطانية إزاء الخليج"، أن أمن الإمدادات النفطية هو من المصالح الحيوية بالنسبة لبريطانيا التي تهتم باستقرار المنطقة. وإن كانت المصالح البريطانية تبدو متوافقة مع المصالح الأميركية المعلنة في منطقة الخليج، فإن "هوليس" ترى فرقاً بين المنهجيتين، الأميركية والبريطانية، ومردُّه إلى أن بريطانيا تعبر عن سياستها من خلال "لغة التعددية"، والتركيز على شراكتها مع الجانبين الأميركي والأوروبي، أما الولايات المتحدة فتبدو "مستعدة لمتابعة سياستها بطريقة أحادية، إذا ما اقتضت الضرورة ذلك". أما المصالح الروسية مع منطقة الخليج، فهي أكثر حداثة. ووفقاً للدكتور "نيكولاي زلوين"، في فصل عنوانه "الخليج في سياق السياسة الخارجية الروسية"، فإنه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، كان يتعين على روسيا أن تطور إطاراً جديداً لسياستها الخارجية، كما كان عليها أن تضمن أمنها السياسي والاقتصادي، لذا "لم يكن في استطاعتها أن تهمل أسواق الطاقة العالمية، وأن تصرف النظر سياسياً عن الدول الرئيسية المصدرة للنفط". لكن مع ذلك، يرى "زلوين" أن السياسة الروسية تجاه دول الخليج كانت في أحيان معينة غير متناسقة، كما أنها تبقى بلا غاية محددة. وما يتعين على روسيا، كدولة نفطية، أن تقرره فعلياً، هو ما إذا كانت تريد أن تتنافس مع الدول الخليجية النفطية، أم تريد التعاون معها. لكن الكاتب يؤكد أخيراً على أن روسيا التي يقلقها توسع "الإسلام المسيَّس"، شأنها شأن باقي الدول الكبرى، لها مصلحتها الخاصة في استقرار الأوضاع الخليجية، وفي إجراء إصلاحات سياسية في دول المنطقة. وكما يقول الدكتور "فولكر بيرثس"، في فصل عنوانه "ألمانيا والخليج: نحو صياغة سياسة ألمانية"، فإن النفط لا يمثل منطلقاً لتفاعل الجانبين، ذلك أن ألمانيا تستورد حصة ضئيلة للغاية من احتياجاتها النفطية من منطقة الخليج، وتقوم صلاتها بهذه المنطقة على أسس تجارية وفي حدود معينة. يقول الكاتب: "لم تطور ألمانيا مبادرات سياسية خاصة بها في الخليج، إلا إزاء إيران" -إطار ما سمي "الحوار البناء"- أما ارتباطاتها الأخرى في المنطقة، فكانت "جزءاً من التزامات عبر أطلسية، ولم تكن في سياق العلاقات الثنائية أو العلاقات متعددة الأطراف بدول الخليج". وبإيجاز شديد يصف الكاتب السياسة الألمانية تجاه المنطقة بأنها سياسة "الإهمال الحميد"، لكنه يتوقع لها أن تتغير قريباً بسبب المكانة الألمانية في المحافل الدولية. وفي فصل آخر يسلط الدكتور "باسكال بونيفاس" الضوء على "السياسة الفرنسية في الخليج"، مستكشفاً ما يرتبط بها من "فرص وتحديات وانعكاسات"، فينطلق من الحرب الأميركية على العراق عام 2003، والتي اعتبرتها فرنسا ودول أخرى، تصرفاً أحادياً من جانب واشنطن، ليصل من ذلك إلى أن "دول الخليج وفرنسا تشتركان في وجهة النظر التي تنادي بعالم متعدد القطبية ومتعدد الأطراف، بحيث تتولى الأمم المتحدة دوراً محورياً، وبحيث تعطى الأولوية للقانون الدولي". لكن أياً تكن مواقف اللاعبين الأجانب الرئيسيين في منطقة الخليج العربي، وبغض النظر عن حجم مصالحهم وما يطرحونه من رؤى ومقاربات، فإن هذه المنطقة تبقى مسرحاً لسياسات أميركية أوسع وأكثر تشابكاً، وإن كانت أقل اتساقاً مع قواعد العقل وسنن التاريخ البشري! محمد المنى الكتاب: المصالح الدولية في منطقة الخليج المؤلفون: جماعة مؤلفين الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2006