تُطالعنا الصحف يوميّاً بقصص واقعية، تأخذ شكلاً مأساويّاً، لم يكن لها وجود في الماضي، حتّى أصبحت مسلسلاً يومياً في حياتنا، وتنامت ظاهرة العنف الاجتماعي بكافة أنواعه بين الشباب من الجنسين، وأقل ما يُقال عنه إنه صار إجراميّ الطابع لوصول بعضه إلى القتل والعاهات المستديمة. قرأت مؤخراً عن حادثة مؤلمة وقعت لشاب في السابعة عشرة من العمر، توفي نتيجة نزيف في المخ بعد أن تدخّل لفض عراك بين قريب له ومجموعة من الشباب، وكانت النتيجة تعرضه لضربة حجر من أحدهم أردته قتيلاً في الحال. وفي الأردن، نسمع يوميّاً عن حالات قتل بحجة الدفاع عن الشرف، تذهب ضحيتها الأم أو الأخت أو الابنة، وهي في حقيقتها لها دوافع مختلفة. وفي العديد من الدول العربية، هناك حالات عنف أسري، نتيجة الفقر المدقع، وارتفاع نسب البطالة، وتردي الأوضاع الاقتصادية فيها. حوادث العنف التي تتناقلها وسائل الإعلام المختلفة، تجعلنا نتساءل عمّا بات يجري في مجتمعاتنا التي تقوم على الرحمة والتسامح والتعاطف؟! هل هذا يعني أن الشخصية العربية انقلبت على ذاتها، ولم تعد سوية؟! أم أن العنف طبيعة متجذرة فيها؟! أم أنها تُعبِّـر عن خيباتها في أوطانها بأساليب أكثر شـراسة؟! هل تعوَّدت المجتمعات العربية على تطبيق مقولة لا أرى لا أسمع لا أتكلّم، تجاه ما يجري على أراضيها من صور مخزية، وانتكاسات صارخة، أم أنها أخذت على عاتقها، التنفيس عن غضبها المكبوت بأساليب أكثر عنفاً وتطرّفاً من بعض حكوماتها؟! لنكن شجعاناً واقعيين، ونعترف بأن البيت الذي يشب فيه الشاب، هو النبع الأساسي الذي يعلمه كيف يكون ديمقراطيّاً، وكيف يستخدم لغة الحوار الحضاري في تعامله مع الآخرين. فالشاب الذي يفتح عينيه وهو يرى أباه يضرب أمه، ويقسو على أخته، ويُعامل المحيطين به بتسلُّط، من غير الممكن أن يؤمن إلا بلغة العنف لتحقيق مطالبه، على أساس أنه مُباح اجتماعيّاً! هذه التربية القائمة على رفع الصوت بخشونة، يحملها الطفل معه وهو يخطو بقدميه إلى حياته التعليمية، فيقوم بتطبيق ما تربَّى عليه في ربوع أسرته، على معلمه حين يسمع منه كلمة توبيخ أو تأنيب، وكم من حكايات سمعناها عن مراهقين تعرضوا لأساتذتهم خارج أسوار مدارسهم ليردوا لهم الصاع صاعين! هذا العنف الأسري للأسف ساهم في إنمائه، الإعلام المرئي، الذي لا يكف ليلاً ونهاراً في الترويج لثقافة العنف، من خلال عرض أفلام "الأكشن"، وهناك سلسلة من الأفلام المشهورة التي تُصوِّر المجرمين أبطالاً! كما أن إحدى القنوات الفضائيات، تعرض إعلانات مضحكة، تقوم على مشاهد عنف، لتستقطب أكبر قدر من المشاهدين، دون أن تُراعي أن هناك جيلاً صاعداً يتأثر بكل ما يُبث أمامه على الشاشة! ومؤخراً لفت انتباهي "فيديو كليب" لفنانة معروفة، بررت عن غضبها من زوجها بإحراق بيتها، مرددة عبارة "لا تمتحن صبري!" كأن المخرج يريد أن يقول للفتاة التي تتعرّض لإهانة من زوجها، أن تُعلن احتجاجها بهذه الطريقة العنيفة! لا أدري ماذا أقول! لقد عجزت الكلمات أن تُعبّر عمّا أحس به من أسى وغضب وإحباط صوب ما يجري في مجتمعاتنا العربية من المحيط إلى الخليج. ولا أعرف كيف سيؤول مصير الأجيال الجديدة، التي صارت تنظر للمستقبل بعيون زائغة، وهي تحمل شعلة في يدها، حائرة هل تستخدمها لتنير لها دروب مستقبلها، أم تحرق الأشجار الباسقة وتحولها إلى أوراق يابسة، ناعية غدها؟!