بحلول يوم الثلاثاء الماضي، يكون قد مر عام كامل على صعود "ستيفن هاربر"، بالمحافظين الكنديين إلى سدة الحكم، ليصبح بذلك الحدث، أول رئيس وزراء لبلاده، من يمين الوسط الكندي، على مدى الإثني عشر عاماً الماضية. وفي خواتيم العام قبل الماضي 2005، لم يكن ثمة كندي واحد، قانعاً باحتمال فوزه بهذا المنصب، سوى "ستيفن هاربر" نفسه! ومن فرط شغفه بأدق التفاصيل، وبالحوار حول السياسات، وغرامه بكلاسيكيات "ستار تريك"، سرت عنه بعض الشائعات القائلة بحضوره لجلسات عروض "ستار تريك"، وأن ذلك الشغف قد انتهى به إلى التنافس في عروض الأزياء. إلا أنه لا يبدو على "هاربر" ما يشعل قلوب ناخبيه البتة. فليس ثمة دفء ولا نار في أسلوبه المباشر القح، ولا في مظهره الآلي "الروبوتي"، ولا ابتسامته الصفراء الباهتة. لكن وعلى رغم ذلك، فقد تمكن من انتزاع الفوز ومفاجأة الجميع تقريباً، بفضل معرفته لكيفية التعلم من أخطاء الماضي، واستثماره لثغرات الحزب "الليبرالي" -الحاكم- والغارق في الفضائح حتى أذنيه وقتئذ. وفوق ذلك، فهو قد أرغم حتى خصومه على احترام ذكائه وقدرته العالية على التركيز، وحنكته السياسية. وقد مكنته كل هذه الصفات من عبور العام الماضي كله بحكومة أقلية، ما يعني حاجته لدعم المعارضة له، كي يتمكن من إجازة التشريعات الجديدة التي ينوي سنها. وبالنتيجة، فهو لم ينجز على المستوى الداخلي، ما يمكن أن يرقى إلى وصفه بالراديكالية. غير أنه استبدل سياسات الإنفاق الليبرالية "اليسارية"، وكذلك خططهم الاجتماعية، بخطط وسياسات أكثر ميلاً للوسطية. وعلى سبيل المثال، فقد جرى استبدال خطة "اليوم القومي للرعاية الاجتماعية" -وهي من خطط اليسار الليبرالي- بإصدار شيكات بقيمة 100 دولار كندي، لآباء الأطفال دون سن السادسة. كما عمد إلى خفض الضريبة المفروضة على السلع والخدمات الكندية، بنسبة 1 في المئة. ومع أنه أقدم على خفض نفقات البرامج الاجتماعية، إلا أنه حرص على عدم المساس بـ"الثالوث الكندي" المتمثل في السياسات الكندية، ونظام الرعاية الاجتماعية للأطفال، إلى جانب قنوات البث الإذاعي والفضائي الكندية. هذا وقد أطلقت عليه مجلة "تايم" الأميركية لقب "صانع الأخبار" الأول في كندا، ملاحظة في تسميتها هذه، بروزه باعتباره "محارباً من على صهوة السلطة". وفي هذا الاصطلاح ما يشي بالكثير، طالما أن الجانب الأكثر تأثراً بالتغيير السياسي كما يراه الكنديون، هو ما طرأ من تحولات على سياسات بلاده الخارجية. والذي يلاحظ بصفة خاصة هنا، أن رئيس الوزراء الكندي الجديد، لم يقحم نفسه في أي نزعة عداء لأميركا لم تملها الضرورة. وفي ذلك تكتيك سياسي كندي محض، طالما حرص عليه القادة الكنديون، إرضاءً لمواطني الولايات الكندية "الزرقاء": تورونتو، فانكوفر، ومونتريال. أما فيما يتصل بالحرب المعلنة على الإرهاب، فقد وصف بكونه "ثورياً" بالمقاييس الكندية نفسها. ذلك أن الكنديين وعلى امتداد العقود، ظلوا مغرمين بصورتهم، باعتبارهم محايدين، وحفظة سلام خيِّرين، ولا صلة لهم مطلقاً بالعمل الحربي الفعلي. ولكن ما أصعب تواؤم هذه الصورة، مع واقع السنوات الماضية، وكذلك مع الواقع الأفغاني الحالي، حيث يشارك نحو 2.300 مقاتل كندي في العمليات العسكرية الجارية هناك. وعلى رغم التزام رئيس الوزراء "الليبرالي" السابق، "جان كريتيان"، بانخراط بلاده في الحرب الدائرة في أفغانستان، فإنه لم يكن –لا هو ولا خلفه في المنصب نفسه- على كل هذا القدر من الجرأة والصراحة، في دعمهما لذاك المجهود الحربي، على نحو ما يفعل "هاربر" الآن. وقد أبدى هذا الأخير، العزم نفسه في تأييده لإسرائيل. ومن ذلك إقدامه على قطع علاقات بلاده بفلسطين، عقب الإعلان عن نتائج الانتخابات الفلسطينية، في يناير من العام الماضي. وما أن بدأ "حزب الله"، قصف المدن والمواقع الشمالية الإسرائيلية بالصواريخ، إبان الحرب الإسرائيلية- اللبنانية، حتى أعلن "هاربر" تأييده ووقوفه إلى جانب تل أبيب. وبذلك فقد ذهبت مع الريح، تلك التصريحات المبهمة "المائعة" الصادرة من العاصمة الكندية "أوتاوا"... ومضت معها أطياف رومانسية عهد "تروديو"، وأيام تساهل كندا مع الإرهابيين والطغاة. وقد أكسبت "هاربر"، هذه المواقف المبدئية والقدرة القيادية اللافتة، قدراً من الاحترام، بقدر ما كلفته غالياً، بعض الدعم الشعبي الذي حظي به. وضمن ذلك، فقد ألصقت به لقب "بوش الصغير". غير أن الكثيرين ممن عرفوه عن كثب، وصفوا هذا اللقب، بالجور، وقالوا إن ما يبدر منه من مواقف وسياسات، إنما هو جزء من مثله الثابتة التي يؤمن بها، وألا علاقة له البتة بإرضاء واشنطن أو تملقها. إلى ذلك يذكر أن "الحزب الليبرالي الكندي" كان قد انتخب "ستيفن ديور" زعيماً جديداً له، في شهر ديسمبر الماضي. والمعروف عن هذا الأخير، مناصرته وهوسه المفرط بمعاهدة "كيوتو" للتغير المناخي، التي وقعت عليها كندا، خلافاً لعدم حماس "هاربر" لها، بصفته "يمينياً محافظاً". على أن التحدي الأكبر الذي يواجهه "هاربر"، هو غياب بنية تحتية تذكر للعمل السياسي المحافظ ولوسائله الإعلامية المحافظة في بلاده. ويكاد يبلغ خوف الكنديين مبلغ الهستيريا، مما يزعم بوجود "أجندة سياسية خفية" نائمة لـ"هاربر". والخوف كل الخوف، أن تتمكن حكومة أغلبية تتشكل برئاسته، من القضاء على شبكة الرعاية الاجتماعية المميزة للبلاد، وتحويل كندا إلى الولاية الأميركية رقم 51! وإن كان ثمة من يبدد هذه المخاوف جميعاً، فهو "ستيفن هاربر" نفسه، ولا أحد غيره. فهلا يفعل، ويفاجئنا هذه المرة... مثلما فاجأنا من قبل؟ ــــــــــــــــــــ روندي آدمسون ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتبة ومحلل سياسية كندية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"