خطا "الديمقراطيون" مؤخراً الخطوة الأكثر أهمية في تاريخ تنافسهم وسباقهم الانتخابي من أجل اختيار مرشحيهم الرئاسيين لانتخابات العام المقبل. وتتمثل هذه الخطوة في اختيار الحزب لمرشحيه هذه المرة، اعتماداً على مقارنة الأساليب والشخصيات المرشحة، مع العلم أن عنصري العرق والنوع قد لعبا دوراً رئيسياً في حلبة التنافس الانتخابي لمرحلة الترشيح. وفي وسط هذه الحلبة التنافسية، يقف السيناتور "باراك أوباما" من ولاية إلينوي، وهو الذي تمكن من تشكيل لجنته الاستطلاعية في الأسبوع الماضي، وكذلك السيناتور "هيلاري كلينتون" من ولاية نيويورك، وهي بصدد الإعلان عن موقفها ونواياها الانتخابية قريباً. ولم يسبق لحزب أميركي قط، أن اقتحم حلبة التنافس في هذه المرحلة بالذات، بأكثر مرشحيه شهرة وتميزاً، أي بامرأة ومرشح أميركي أفريقي للرئاسة. وبالطبع فإن المنافسات على انتخابات عام 2008 المقبل، لا تقتصر على مرشحين اثنين فحسب. ذلك أن "جون إدواردز"، السيناتور السابق من ولاية كارولينا الشمالية، قد اتخذ موقعه سلفاً بين مرشحي الحزب "الديمقراطي"، بينما تتسابق للوصول إلى الموقع ذاته، شخصيات "ديمقراطية" قوية وذات وزن هي الأخرى. غير أن الذي لا شك فيه، أن نيران هذه الحملة التنافسية، سوف يشعلها في الأساس كل من "أوباما" و"هيلاري كلينتون". وفي هذا ما يوفر مادة إخبارية تحليلية شديدة الإغراء للصحف والفضائيات، بينما يشتد شغف "الديمقراطيين" بما سينتهي إليه هذا السباق الاستثنائي بين هذين القطبين. وعلى حد قول جمال "سيمونز"، المحلل الاستراتيجي "الديمقراطي"، والعضو المحايد بحملة الترشيحات، فقد وهب "أوباما" السحر والجاذبية، بينما وهبت "هيلاري" كلينتون القوة والعزم. ولذلك السبب، فإن التنافس الحالي، سيكون معركة ضارية بين الكاريزما السياسية من جهة، وسطوة المال والقدرة على التنظيم في الجهة الأخرى. وهناك سبل شتى لوصف الخلاف والتباين بين المرشحين "الديمقراطيين" الرئيسيين. فمن جهة أوباما، يبدو هذا التنافس كما لو كان نزاعاً مابين المستقبل والماضي. أما من ناحية هيلاري كلينتون، فيتراءى هذا التنافس كما لو كان يدور بين الخبرة واللاخبرة. ثم إن "أوباما" أعلن رفضه الصريح للحرب على العراق حتى قبيل اندلاعها، في حين أيدتها "هيلاري" بادئ ذي بدء، كي تتحول إلى معارضة وناقدة لها مع مضي الزمن والسنوات. وفي حين يرمز ترشيح هيلاري كلينتون إلى استمرار التقاليد الحزبية المؤسسية الراسخة، نجد أن ترشيح "أوباما"، يرمز خلافاً لذلك، إلى تحد من نوع جديد لتقاليد هذه المؤسسة، إذ يحاول جر ناخبين جدد إلى العملية الانتخابية، على أساس جديد هو الآخر. وعلى كل منهما أن يتحمل وزر المسؤوليات التي ينوء بها كاهله. فما أكثر "الديمقراطيين" الذين يبدون خوفاً وإشفاقاً على هيلاري كلينتون، من أن تعجز عن تحقيق نصر يذكر في معركة انتخابية عامة، بسبب الوزر الذي تحمله من فترة رئاسة زوجها بيل كلينتون. وإلى ذلك يرى آخرون أن شخصية هيلاري من الحذر والحرص، لدرجة ربما تعيقها عن أن تبدو من الدفء والتلقائية التي يتطلع الكثير من الناخبين لأن يروها في شخصية رئيس بلادهم. وفي المقابل، فإن من الطبيعي جداً أن يثار سيل من التساؤلات حول مدى استعداد وأهلية "أوباما" لقيادة بلاده وتولي المنصب الرئاسي لدولة كبيرة كهذه بحجم ووزن الولايات المتحدة الأميركية، في هذه المرحلة الدقيقة الحرجة، المترعة بالشكوك والوساوس والاضطرابات. ومما يخول هذه التساؤلات، كونه لم يخض معركة انتخابية رئاسية من قبل، إلى جانب صبا تجربته السياسية عموماً. وهنا يكمن التحدي وصعوبة الانتقال من مجرد ممارسة العمل السياسي العام، إلى تولي دفة القيادة الرئاسية للقوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم. تعليقاً على هذا، يقول "ديفيد أكسيلرود"، وهو استراتيجي أول بحملة "أوباما" الانتخابية: أعتقد أن أوباما يدرك جيداً أنه إذا كان هذا الأمر يتعلق بمجرد تأكيد رمز أو معنى سياسي ما، فإن هذا سيكون جهداً فارغاً لا طائل منه، وأنه آيل للفشل حتماً. أما إذا كان هذا الجهد، يستهدف إحداث تغيير سياسي فعلي على المستوى الشعبي القاعدي، فمن غير المشكوك فيه أنه سوف يكون من القوة بمكان. وخلافاً لما سيكون عليه حال أوباما في هذه المعركة الانتخابية، فسوف تقف وسائل الإعلام بالمرصاد لأي خطوة خاطئة يخطوها بقية المرشحين "الديمقراطيين" الممثلين للمؤسسة الحزبية التقليدية، ولن تألوا تلك الوسائل جهداً في اصطياد أخطائهم وتضخيمها بقدر ما تستطيع. "أما حملة أوباما، فتقوم على فكرة لطالما تطلع عبرها الناخبون إلى إلهام القيادة وقدرتها على الابتكار واجتراح الجديد في الممارسة القيادية. وفي هذا أفق متجاوز لنواميس المؤسسة السياسية التقليدية وأعرافها الراسخة". ذلك هو رأي جيفري جارين، خبير استطلاعات الرأي العام، في حملة "أوباما". ثم يمضي "غارين" ليقارن بين هذا وحملة هيلاري كلينتون واصفاً الأخيرة بكونها "تأمل في أن يمنح الناخبون ثقتهم وأصواتهم للخبرة الطويلة المجربة، وللسجل الطويل الحافل بالمعافرة السياسية، وبالقدرة الأكيدة على إحداث الفرق في الممارسة القيادية والسياسية معاً". وقبل سنوات عديدة فحسب، لم يكن ممكناً حتى تخيل خوض مغامرة انتخابية كهذه من قبل "أوباما" أو غيره، خاصة وأن عمره لم يتجاوز الخمسة وأربعين عاماً، بينما لم تزد عضويته في مجلس الشيوخ على العامين فحسب. لكن وبفضل تطلع الناخبين إلى تجاوز الصدع السياسي الذي أحدثته ممارسات العقد الماضي بأكمله، فقد بدت مبادرة "أوباما" بطراوتها وجدتها هذه، مكسباً سياسياً يحسب إيجاباً له ولحزبه معاً. على أنه يجب القول في نهاية الأمر، إن ترشيح كل من "أوباما" و"هيلاري كلينتون"، لم يقم على عنصري العرق والنوع وحدهما. فـ"أوباما" ينحدر من أب كيني وأم أميركية بيضاء. غير أن ترشيحه لا تمكن مقارنته بترشيح "جيسي جاكسون"، عندما سعى زعيم حركة الحقوق المدنية هذا، إلى ترشيح نفسه للمنصب الرئاسي في عام 1984. وعلى رغم الجاذبية السياسية التي يحظى بها "أوباما" الآن، فمن المؤكد أن جاذبيته هذه ليس أساسها الانتماء العرقي بصفة خاصة. وبالمثل فإن صعود نجم هيلاري كلينتون، لم يقم على كونها امرأة فحسب، بقدر ما نهض على حقيقة كونها طرفاً من ثنائي قيادي تمكن من فرض هيمنته على الحزب منذ وقت مبكر من عقد تسعينيات القرن الماضي وإلى اليوم، إضافة إلى خبرتها الطويلة بصفتها ناشطة حزبية، ولكونها سيدة أميركا الأولى سابقاً، وسيناتور حالياً. لكن ومع ذلك، فليس من سبيل إلى التقليل من دور النوع والعرق في الحملة الانتخابية المقبلة، بأية حال من الأحوال. فعلى حد قول المحللة الاستراتيجية الديمقراطية، "أنيتا دان"، فإن ما من أحد منهما –"أوباما" و"هيلاري"- قد دخل حلبة المنافسة الانتخابية، اعتماداً على هويته الشخصية السياسية. إلا أن ملامح هذه الهوية ستكون لها أهمية كبيرة، بقدر ما يتوغلان أكثر فأكثر إلى حلبة التنافس الرئاسي، طالما أنه يهم الناخبين معرفة من يكونا على وجه التحديد. يضاف إلى هذا كله، أن سابقة تولي النائبة "نانسي بيلوسي منصب رئيس مجلس النواب للمرة الأولى في التاريخ السياسي الأميركي، إنما تلفت أنظار "الديمقراطيين" بشدة إلى الوعد السياسي الكامن وراء ترشيحهم لهيلاري كلينتون، خاصة بين جماهير الشباب والنساء. وهذا ما توافقهم فيه الرأي، كلينتون نفسها، عبر ناطقها الرسمي "هاورد ويلسون". وبهذا نصل إلى القول أخيراً، إن المحللين الاستراتيجيين بالحزب "الديمقراطي"، يرون أنه من الخطأ الفادح، قصر هذا السباق الانتخابي الرئاسي، على مرشحين اثنين فحسب للحزب، على رغم ثقل ووزن كل من "أوباما" و"كلينتون"، وعلى رغم قدرتهما على تحفيز غيرهما من المرشحين في جمع التبرعات والأموال الانتخابية اللازمة لحملة الحزب. دان بلاتز كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"