وزير الأوقاف المصري الدكتور محمود حمدي زقزوق، هو الوزير الوحيد بين وزراء الأوقاف في الدول العربية والإسلامية الذي اتخذ قراراً شجاعاً بعدم السماح للمرشدات الدينيات في الوزارة بارتداء النقاب، قائلاً: إن النقاب ليس فرضاً وليس من الدين بل هو عادة من العادات وليس من العبادة، ومن تتمسك بالنقاب سوف تُنقل إلى عمل آخر. وتساءل الوزير قائلاً: كيف تقوم المرشدة التابعة للوزارة بتعليم المسلمات مبادئ دينهن وهي ترتدي النقاب؟ وعلّل الوزير قراره: بأن المرشدة المنقّبة ستنشر "ثقافة النقاب". ومن الطبيعي أن يثير هذا القرار الجريء جدلاً واسعاً في الساحة المصرية والعربية بين مؤيد ومعارض، فقد أيدت الدكتورة سعاد صالح -العميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات- القرار، وقالت: إن قرار وزير الأوقاف سليم ولا شيء فيه، ويتماشى مع صحيح الدين، لأن النقاب ليس بفرض ولا سنة. وأوضحت أن "مثل هذه الأشياء إذا دخلت في دائرة المباح فمن حق ولي الأمر إذا رأى مصلحة في تقييد المباح فله أن يقيّد". ولكن من جانب آخر تصدى الداعية الشيخ يوسف البدري -عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة- قائلاً: إن المنع يُعد إهداراً لأكبر حق كفله الإسلام وهو حق الحرية. واعتبر قرار الوزير بمثابة "مطاردة للمتدينات" ومخالف للشرع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تَنْتَقِب المُحرِمة ولا تلبس القفازين" وهذا معناه "أن النقاب والقفاز واجبان على غير المُحرمة". الشيخ البدري المعارض للقرار هو نفسه الذي قدم منذ أيام بلاغاً للنائب العام ضد الدكتورة سعاد صالح، يتهمها بالتحقير من شأن المنقبات، واتسع نطاق الهجوم على الدكتورة صالح، حتى أن خطيباً مغموراً موتوراً بأحد مساجد القاهرة هدّدها قائلاً: "لو رأيتها لقتلتها على فتواها بأن النقاب ليس فريضة"! وهذا يدل على أن قضية النقاب، قضية جدلية ساخنة، أثارت العديد من المعارك والزوابع قديماً وحديثاً، بين "المتحمسين" للنقاب وهم "أقلية" ترى وجوب النقاب كوجوب الصلاة والصيام، فالنقاب عبادة وقربى إلى الله وفي عدم ارتدائه عصيان وخروج على أوامر الله، ومقتضى ذلك "تأثيم 99% من نساء المسلمين اللاتي لا يرتدين النقاب". و"الفريق الآخر" وهم الأكثرية من العلماء الذين لا يرون فرضية النقاب بل الحجاب، ويبيحون للمرأة أن تكشف وجهها، ولا يرون في النصوص الدينية الثابتة ما يشهد بفرضية النقاب. مشكلة المتحمسين للنقاب أنهم أقلية، إلا أن صوتهم عالٍ واتهامهم للمخالفين للنقاب شديد السوء، لا يراعون أدب الحوار، يسارعون إلى التهجم الشخصي والتجريح والذم والتشكيك، بل لا يتورعون في اتهام الخصوم بالعمالة وأنهم رُسُل الغرب لإفساد المرأة المسلمة. وقد تأملت في التاريخ الطويل للجدل حول النقاب، فما وجدت مهووساً بالنقاب إلا وهو متلبّس بنظرية المؤامرة العالمية على المرأة المسلمة. وأنا شخصياً على امتداد 25 عاماً، أُلصِقتْ بي كل الأوصاف السلبية، فقط لأني قلت "النقاب عادة وليس عبادة"، وقد أيقنت بعد هذه المدة أن الحوار لا يجدي نفعاً مع هؤلاء المخالفين، لأن منطق هؤلاء نفسية متشددة لا تطيق رأياً مخالفاً، وسندهم مزاج نفسي غلاّب، وتصورات مستحكمة عن فتنة المرأة وسوء الظن بها، استحوذت عليهم لدرجة الهوس. وكما يقول الشيخ الغزالي- رحمه الله- "قرأت كتيباً في إحدى دول الخليج يقول فيه مؤلفه: إن الإسلام حرّم الزنا، وكشف الوجه ذريعة إلى الزنا، فهو حرام"! هكذا يصوّرون كشف "الوجه" المعبّر عن الشخصية، يريدون "نقاباً" يطمس ويشوّه ملامح الإنسان الذي كرّمه الله وخلقه في أحسن صورة! لكن خطورة النقاب الحقيقية ليست في إخفاء الشخصية، بل فيما يخفيه-عند بعض المنقبات- من مشاعر عدائية تجاه غير المنقبات، كونهن "عاصيات" وهن "الملتزمات". وهذه المشاعر العدائية لا تقتصر عليهن بل تتجاوزهن إلى بعض الدعاة الذين لا يتورعون في وصف غير المنقبات بأنهن "متبرجات وعاصيات" كأوصاف ازدرائية، بل ويقودون حملة مسعورة ضد المخالفين عبر التشكيك في معتقداتهم! لم يكن النقاب-قديماً- حيث لا مشاركة مجتمعية للمرأة، يحدث أية مشكلة كما هي الحال في مجتمعاتنا المعاصرة: الإسلامية والغربية. المرأة الآن وخاصة العاملة، تتعامل مع جمهور كبير، فيجب أن تكون شخصيتها معروفة وهذا أبسط حقوق الناس في معرفة من يتعاملون معه، كما أن النقاب سبّب أزمة اندماج وتمييز في المجتمع الغربي... ولا أدري فيم بقاء المنقبة هناك في مجتمع لا يتقبلها، أليس وطنها أولى بها؟ والحق إني لم أجد للقائلين بالنقاب دليلاً شرعياً صحيحاً كما يقول الشيخ يوسف القرضاوي، بل الأدلة صريحة في كشف الوجه، فكون الله أمرنا بالغض من البصر دليل على أن الوجوه مكشوفة، إذ لو كانت "مغطاة" لفقد الأمر معناه. ولو كان النقاب واجباً لأمر الله النساء أن يضربن بخمرهن على وجوههن، ولكنه قال على "جيوبهن". ولو كان النقاب منتشراً في المجتمع النبوي لما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم جابر بن عبدالله أن يذهب للنظر للمرأة التي يريد الزواج بها، فذهب ورآها في الطريق. أما تعلّق الشيخ البدري بحديث "لا تنتقب المرأة المُحرِمة"، فلا يفيد أن النقاب واجب في غير الإحرام، لأن رفع النهي يفيد الجواز لا الوجوب، وكل محظورات الإحرام "لبس المخيط والطيب والصيد" هي في الأصل مباحات، صارت بالإحرام محظورات وبعد الإحرام ترجع إلى أصل الإباحة. يقول الشيخ الغزالي: هل إذا أمر الله الحجاج بتعرية رؤوسهم في الإحرام، معناه أن الرؤوس يجب أن تغطى في غير الإحرام؟ من يقل بذلك لا يفقه (أصول الفقه). أما حديث عائشة "أنّهن كنّ يَسْدلن على وجوههن إذا مرّ الرجال وهن مُحرِمات"، فحديث ضعيف لا تقوم به حجة. ومع ذلك فنحن نحترم "النقاب" كعادة اجتماعية لبعض البلاد العربية والإسلامية، ولكن لا نقول إن غير المنقبة "عاصية"، كما أننا نحترم "النقاب" كحرية شخصية ولكن ذلك بشرط ألا يتعارض مع مصلحة العمل والمجتمع. ولكننا نؤكد أنه لا "فضيلة" ولا "أفضلية" للنقاب في المجتمع المعاصر، وخاصة مع زيادة مساهمة المرأة في التنمية بل هو معوّق لزيادة المساهمة. ويجب ألا ننسى أن كشف الوجه معين على تحقيق الرقابة المجتمعية والأمنية... وأيضاً-وهو الأهم في مجتمعنا الخليجي- (في عدم النقاب وكشف الوجه) تيسير للشباب للإقدام على الزواج بما يتيحه من فرص للرؤية والمعرفة، الأمر الذي يؤدي إلى استدامة الزواج وانخفاض معدل الطلاق والعنوسة. تحية لقرار الوزير الشجاع الذي يستحق منا كل الدعم والتأييد.