قضى أكثر من 400000 شخص جراء التوتر المتواصل منذ ثلاث سنوات بدارفور؛ وقد اشتد وطيس المعارك في الأشهر الأخيرة في وقت تعثرت فيه الجهود الدبلوماسية الرامية إلى وضع حد للصراع. الأكيد أن حكومة الخرطوم تتحمل مسؤولية استمرار أعمال القتل، غير أن عقبة غير متوقعة أمام الجهود الرامية إلى وقف سفك الدماء ظهرت مؤخراً على الواجهة وهي المحكمة الجنائية الدولية. لقد توقع منتقدو المحكمة الجنائية الدولية مبكراً أنها ستشكل عائقاً أكثر منه وسيلة للمساعدة على إنهاء النزاعات، على اعتبار أن التهديد بالمتابعة القضائية لن يشجع الطرفين على وقف الاقتتال، وأن هذا التهديد سيكون كبيراً في بعض الحالات إلى درجة أنه سيقنع أحد الطرفين على الأقل بأنه من الأفضل مواصلة القتال. والواقع أن منتقدي المحكمة الجنائية الدولية أنفسهم فوجئوا بالمدى الذي دعمت به الأحداث تنبوءاتهم في حالة دارفور. يتفق العالم كله تقريباً على ضرورة نشر قوات لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة في دارفور؛ غير أن النشاز الوحيد وسط هذا الإجماع الدولي تمثل في الصين، التي أرغمت في أغسطس الماضي الأمم المتحدة، بحكم تطلعها إلى النفط السوداني وتوفرها على حق "الفيتو" في مجلس الأمن الدولي، على قبول شرط مسبق قبل أي تحرك، ويتمثل في ضرورة موافقة حكومة الخرطوم على نشر القوات الأممية في الإقليم. والحقيقة أنه لم يُعرف عن الحكومة السودانية قبل ذلك معارضتها لنشر قوات لحفظ السلام في أراضيها؛ فقد وافقت مثلاً في يناير 2005 على نشر قوات أممية يبلغ قوامها 100000 رجل في جنوب السودان قصد مراقبة تطبيق اتفاق السلام الذي وقعته الحكومة مع المتمردين هناك، ومازالت تلك القوة في السودان إلى اليوم. وهنا يجوز التساؤل: ما الذي دفع الخرطوم اليوم إلى رفض ما كانت توافق عليه قبل عامين فقط؟ إنها المحكمة الجنائية الدولية، حسب المتحدثين باسم الحكومة السودانية. الواقع أن السودان ليس عضواً في الاتفاقية المؤسِّسة للمحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي، فإن الطريقة الوحيدة التي يمكن للمحكمة أن تحصل بها على أحقية النظر في جرائم دارفور تكمن في حصولها على هذه الأحقية من قبل مجلس الأمن الدولي، وهو ما حدث في مارس 2005. وقد أيدت إدارة بوش إشراك المحكمة الجنائية الدولية في الموضوع، ليس لأن مرتكبي "جرائم الإبادة " في دارفور يستحقون المتابعة القضائية بقدر ما لأنه كان يمثل أقوى قرار يمكن لأعضاء مجلس الأمن الآخرين اتخاذه وقتئذ. فقد كان الوضع السياسي شبيهاً بذاك الذي كان محيطاً بظروف اتخاذ مجلس الأمن الدولي لقرار يقضي بإنشاء محكمة للنظر في جرائم الحرب التي ارتُكبت في يوغسلافيا السابقة عام 1993؛ حيث دفعت الولايات المتحدة بقوة، في كلتا الحالتين، باتجاه اتخاذ تدابير صارمة لوقف الإبادة الجماعية؛ غير أن بلدانا أخرى، ولاسيما في أوروبا، لم تكن ترغب في الموافقة على خطوات تكلفها ثمناً سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً. وهكذا، ظهرت فكرة توظيف ممثلين للادعاء العام تابعين للمحكمة، باعتبارها توافقاً يقوم على حد أدنى من الخطر، بدلاً من نشر قوات فعلية لحفظ السلام. والحال أن ممثلي الادعاء العام المكلفين بمتابعة جرائم الحرب لم يوقفوا الإبادة الجماعية في يوغسلافيا، مثلما أنهم لم يوقفوها في دارفور. بل على العكس من ذلك تماماً، فقد ساهم مثال البلقان، الذي تعقبت فيه قوات حفظ السلام الأممية في البوسنة وكوسوفو المتهمين بارتكاب جرائم حرب واعتقلتهم، في تشبث المسؤولين السودانيين بمعارضتهم لنشر قوة أممية في الإقليم، والذين يقولون إنهم لا يرغبون في قوة أممية لحفظ السلام في دارفور إذا كانت ستعطيهم، مثلما حدث في البلقان، تذكرة سفر ذهابا إلى لاهاي مقيدي الأيدي. ولأن الخيارات الواقعية بشأن تشديد العقوبات الاقتصادية على السودان قليلة ومحدودة، عمل الكثير من منتقدي النظام السوداني، بعد فشلهم في الاعتراف بأنه كان من الخطأ استدعاء المحكمة الجنائية الدولية في قضية دارفور، على تصحيح الخطأ بخطأ أفدح منه عبر محاولتهم زيادة تهديد المحكمة. وهو ما يقوي بطبيعة الحال دافع النظام في الخرطوم للرفض. وفي حال بدأت الحكومة السودانية في التفكير جدياً في الموافقة على نشر قوة أممية في دارفور، فإن أول شيء من المرجح أن تسعى للحصول عليه هو ضمانات على عدم اعتقال المسؤولين السودانيين ومتابعتهم من قبل المحكمة الجنائية الدولية. غير أنه من غير الواضح ما إن كان مجلس الأمن الدولي سيكون قادراً في هذه الحالة على منح الحكومة هذه الضمانات إذا وافق المجتمع الدولي على بحث هذه الصفقة؛ ذلك أن الاتفاقية المؤسِّسة للمحكمة الجنائية الدولية، وفي محاولة لتحصين المحكمة ضد الضغوط السياسية، سعت إلى تجريد مجلس الأمن الدولي من إمكانية إنهاء الدعاوى القضائية بعد الشروع فيها. أما في حال فشلت الجهود الرامية إلى نشر قوة أممية وتواصلت الإبادة الجماعية، فإن خيارات إنهاء إراقة الدماء ستضيق لتُختزل في نوع من أنواع التحرك العسكري من قبل تحالف دولي؛ غير أنه بالنظر إلى معارضة الصين، فإن أي تحرك من هذا القبيل يمكن الجزم بعدم إمكانية تنفيذه من دون ترخيص من مجلس الأمن الدولي، كما أنه سيكون دون قوات حفظ السلام الفعالة التي كان يُطمح إليها. لقد كان العمل العسكري الذي نفذه التحالف في حالتي البوسنة وكوسوفو عملاً عسكرياً أميركياً في المقام الأول، والواقع أن الأمر نفسه يمكن توقعه في دارفور. إلا أنه مهما كانت أهدافنا نبيلة، فإن عملاً عسكرياً أميركياً من دون ترخيص من الأمم المتحدة ضد بلد عربي آخر لن يحظى بشعبية كبيرة في أجزاء كثيرة من العالم، ناهيك عن أنه سيكلف الولايات المتحدة ثمناً سياسياً باهظاً. أما إذا كان هذا هو ما سنصل إليه في دارفور– أو في حال استمر تدهور الأمور هناك بالوتيرة نفسِها لأنه لا يمكن نشر قوات لحفظ السلام- فسيكون ثمة مذنبون ثلاثة يتحملون مسؤولية ما يحدث في دارفور: إنه نظام الخرطوم، وحكومة بكين الظمأى إلى النفط، وقرار مجلس الأمن الدولي القاضي بإشراك المحكمة الجنائية الدولية والذي ينم عن قصر الرؤية. ستيفان ريدميكر مساعد وزير الخارجية الأميركي من 2002 إلى 2006 ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"