المنطقة العربية على كف عفريت، ولا نعرف القادم من الأحداث. زيارات مكوكية قامت بها الوزيرة الأميركية كوندوليزا رايس واجتمعت في الكويت مع حلف الاعتدال للحصول على مزيد من الدعم للسياسة الجديدة التي أعلن عنها الرئيس جورج بوش. وبشكل مفاجئ يدخل الموضوع الفلسطيني على جدول الأعمال، وتحاول رايس تقريب وجهات النظر، وكأن الصراع يمكن حله على طريقة القطارات السريعة، وتنسى الوزيرة الأميركية المحاولات العديدة لإقناع دولتها بأهمية إيجاد أرضية مشتركة للوصول إلى صيغة حل عادل للصراع التاريخي. المملكة العربية السعودية أعلنت عن مبادرتها الجريئة، لكن لم يلتفت الأميركيون إليها بل حاولوا إجهاضها في مهدها، واليوم يُطرَح مرة أخرى موضوع الصراع لكن لا يبدو أنها محاولة جادة. بكل تأكيد الأوضاع مقلقة؛ سواء في العراق أو في لبنان أو في إيران أو حتى في مصر... ولا بد من تحرك جاد لمواجهة المتغيرات الجديدة، ليس من خلال شحن المنطقة ضد إيران، وإن كنا لا نوافق إيران على سياسة المواجهة في شأن تسلحها النووي، وإنما من خلال تفهم طبيعة الصراع في العراق ولبنان وعلاقته بتصاعد وتيرة الإرهاب، والنظر إلى الموضوع الفلسطيني باعتباره المحرك الكبير للعنف الذي تشهده المنطقة العربية. صحيفة "نيويورك تايمز" أشارت إلى أن الحرب على الإرهاب قد تستغرق أكثر من نصف قرن، مما يعني أن هذه الحرب هي علامة على مرحلة ما بعد الحرب الباردة. ويقول الكاتب "دانيل بايبز"، المعروف بميوله الصهيونية، عن "الإرهاب" إنه الخطر الأخضر الذي حل محل الخطر الأحمر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. الحرب التي أعلنت على الأصولية الإسلامية، تختلف عن الحرب الباردة أو الحروب التي سبقتها، إنها حرب الأفكار والأيديولوجيات، وهي حرب لا نعرف نهايتها ولا نعرف إلى أين تقود. من المؤكد أن الأصولية الإسلامية ليست واحدة، فالدنيا أصوليات، منها من يدعو إلى القيم الأخلاقية ومنها من يسعى إلى تغيير نظم الحكم العربية والإسلامية، ولكن ليس بالضرورة أن الحرب على الإرهاب تعني محاربة كل الأصوليات الإسلامية. كثير من الحركات الإسلامية تنطلق أفكارها لتعالج الخلل الذي أصاب المجتمع، وهي تقع ضمن الدعوة للأخلاق الحميدة، ولدينا الكثير من الحركات الأخلاقية والدينية التي تنهج نهج الأصولية الإسلامية، لكنها ليست حركات عدوانية ومن الممكن احتواؤها والتعامل معها. هناك خلط وقعت فيه الإدارة الأميركية حين زجت بالإسلام كدين في هذه الحرب، بينما الإسلام مثله مثل الديانات الأخرى يدعو إلى السلام مع النفس والآخر، ويسعى إلى المحبة ونشر الأخلاق الفاضلة. ومعظم الحركات الأصولية تتغذى على فساد نظم الحكم واستفرادها بالسلطة، أي أن راديكاليتها الدينية تمثل رد فعل على كثير من الممارسات السائدة! الحركات الإسلامية عليها دور في تنقية هذه الأجواء الملوثة وعليها مسؤولية في عملية الفرز وعزل الحركات المتطرفة من خلال نشر أفكار الاعتدال والتعايش مع الآخر. ليس كل ما تطرحه الحركات الإسلامية مرفوض، فبعض أطروحاتها يمكن الاستفادة منه والتعامل معه، خصوصاً أفكارها حول الهوية الإسلامية. الغرب والولايات المتحدة الأميركية لا يملكان إلا التعامل مع الحركات الإسلامية عبر فتح قنوات الحوار، وليس عزلها وإبعادها... فهي حركات لها قواعدها ولها مناصروها. لذلك فالمواجهات العسكرية لن تجدي ولن تنهي الحرب على الإرهاب، ولن يجدي إلا تفهم طبيعة عوامل الصراع المحركة للعنف في المنطقة العربية، وأولها الموضوع الفلسطيني الذي يجب وضع نهاية له من خلال الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. أما العراق فهو كذلك يعيش محنة ولا يمكن حلها إلا من خلال نشر ثقافة التعايش بين الخصوم، وهذا لن يتحقق عبر حشد مزيد من العسكر والعتاد العسكري!