للعام الرابع على التوالي، ظل ترتيب دولة الإمارات في مؤشرات الحرية الاقتصادية التي تصدرها بعض التقارير الدولية المتخصصة، يتراجع بدرجات ملحوظة، رغم العديد من برامج وسياسات التحرر الاقتصادي التي اتخذتها الدولة مؤخراً، ما يتطلب وقفة موضوعية لدراسة معطيات هذه التقارير. مؤخراً صنّف مؤشر مؤسسة "هيرتدج فاوندشن" الأميركية الشهير اقتصاد الإمارات في الترتيب الخامس بين أكثر الاقتصادات العربية انفتاحاً لهذا العام، بينما حل في الترتيب رقم 74 على المستوى العالمي، متراجعاً بذلك 50 موقعاً خلال ثلاث سنوات فقط، بعد أن كان يحتل الترتيب رقم 65 العام الماضي، والترتيب رقم 42 في عام 2005 والترتيب رقم 24 في عام 2004، حيث سجلت الإمارات بهذه النتائج أكبر انخفاض في درجة الحرية الاقتصادية بين 157 دولة على مستوى العالم، شملها المؤشر السنوي لهذا العام. يستخدم هذا المؤشر على نطاق واسع من قبل المستثمرين الدوليين كمرجعية قبل تقرير الاستثمار في بلدان أخرى، وكذلك من قبل الأكاديميين والباحثين الدوليين، ومن قبل المشرّعين الأميركيين، حين يحتاجون إلى معلومات تتعلق بالنواحي الاقتصادية للسياسة الخارجية للدول، مثل اتفاقيات التجارة الحرة أو الاتفاقيات الاستثمارية. ويستند هذا المؤشر إلى عشرة عوامل رئيسية هي: حرية الأعمال، وحرية التجارة، والحرية المالية، والحرية من الحكومة، والحرية النقدية، والحرية الاستثمارية، والحرية المصرفية، وحقوق الملكية، والحرية من الفساد، وحرية العمال، وهذا الأخير مؤشر جديد تضمنه مؤشر الحرية الاقتصادية لأول مرة هذا العام. ورغم ما يمكن أن يقال من أن مؤشر "هيريتج للحرية الاقتصادية" يقدم صورة غير عادلة للأوضاع الاقتصادية في الدولة، حيث لم يقم وزناً عادلاً للعديد من الإصلاحات الاقتصادية المهمة التي تبنّتها دولة الإمارات لتحرير الاقتصاد مؤخراً، والتي شكلت دعماً قوياً للحرية الاقتصادية في الدولة خلال الفترة الماضية، مثل القوانين الخاصة بتحسين مناخ الاستثمار، وقوانين تملك العقارات التي تسمح بالملكية الأجنبية، وتخفيض الإعانات الزراعية، والتحرير التدريجي للقطاع المصرفي والمالي، والعديد من المبادرات الخارجية التي جاءت في إطار التفاوض بشأن اتفاقيات مهمة للتجارة الحرة مع عدد من الشركاء التجاريين، والتحرير التدريجي لقوانين سوق الأسهم والتنظيمات التي تسمح بمستويات أعلى للتملك الأجنبي، ومبادرات الخصخصة المستمرة، فإن ذلك كله لا يمنع الاعتراف بمعطيات سلبية عديدة اعتبرها المؤشر من أهم مسببات تراجع الحرية الاقتصادية بالإمارات، وفي مقدمتها عدم مقدرة السلطات المحلية السيطرة على معدلات التضخم التي بلغت مستويات قياسية خلال السنوات الثلاث الماضية، ما شكّل خللاً كبيراً في السياسة النقدية للدولة، والتي تعدّ أحد أهم معايير هذا المؤشر، كما يلفت المؤشر إلى وجود دلائل على التمييز ضد التدفقات الرأسمالية والاستثمارات الأجنبية، رغم العديد من الإصلاحات التي أدخلت من أجل تحرير القوانين الخاصة بالاستثمارات الأجنبية، إضافة إلى أن الإصلاحات الاقتصادية التي تبنّتها الدولة لتحرير الاقتصاد مؤخراً، لا تزال وبصفة عامة دون المستويات العالمية المطلوبة. ورغم كل ما يقال عن عدم دقة هذا المؤشر، إلا أنه يجب دراسته بموضوعية لتحديد الأسباب الحقيقية وراء انخفاض مرتبة الإمارات في المؤشر وتقييم أهميتها من أجل تحسين الأداء في المستقبل، وتحسين الصورة الاقتصادية الدولية للإمارات والتي يعد هذا المؤشر أحد أهم مصادرها. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية