من منطلق إدراك المؤسسة السياسية والعسكرية الأميركية للأهمية الملحة لاستقرار منطقة الشرق الأوسط وبالأخص الخليج، تتحرك الولايات المتحدة في الخليج مقابل اللاعب الرئيسي في العراق "إيران"، رغم ما تتعرض له "المؤسسة العسكرية والسياسية" على المستوى الأميركي الداخلي من معارضة، وهو ما يظهر بوضوح في السجال الحزبي في الولايات المتحدة بين"الديمقراطيين" و"الجمهوريين" داخل الكونجرس. غير أن ذلك، لن يلقى نجاحاً على اعتبار الخبرة التاريخية والقاعدة الدستورية الأميركية، حيث يخول الرئيس ديكتاتورية القرار السياسي في أوقات الأزمات، وهي سلطات يمارسها الرؤساء عادة في الأزمات الخارجية أكثر من الأزمات الداخلية، أما الخسارة الوحيدة لدى الرئيس فهو التأييد الشعبي ثم تأييد الكونجرس الذي يحتاجه في رسم السياسة في الأوقات العادية، وما قد يتعرض له الحزب من محاسبة في انتخابات الرئاسية القادمة. وإذا سلمنا بالانتقادات الموجهة من "الديمقراطيين"، والتحرك لإحباط سياسات الرئيس الأميركي، خاصة العسكرية منها تجاه إيران والعراق، فإن هذه الانتقادات لا تقدم رؤية استراتيجية كالموجودة لدى "المحافظين الجدد"، وذلك من منطلق الحفاظ على الموارد الاستراتيجية وتدفقها -النفط بصورة أساسية- والذي يكسبها الحفاظ على الوضع الراهن في النظام الدولي"نظام أحادية القطبية". وعلى غرار ذلك أيضاً، تأتي محاولة إنجاح النموذج العراقي والذي أفرز بأحداثه صراعات مذهبية وثقافة سياسية متضاربة تهدد المنطقة، مما يجعل في إنجاح هذا النموذج كبحاً للنفوذ الإيراني، والذي أصبح في أولويات المؤسسة العسكرية والسياسية الأميركية في الشرق الأوسط، وكأنه "دور عثماني" في القرن الحادي والعشرين. فحقيقةً لم تعد مرآة محاربة الإرهاب تعكس الاستراتيجيات المتعلقة بمشاريع الإصلاح السياسي والتطوير التعليمي والتنمية الاقتصادية في المنطقة، بل خرج الصراع بين الولايات المتحدة وإيران بمرآة تعكس مستقبل المنطقة واستقرارها. ومن المُسلمات السابقة، قدمت المؤسسة السياسية الأميركية تفعيل استراتيجية 6+2 "دول مجلس التعاون + مصر والأردن"، وهذه الاستراتيجية تعكس ثقل دول مجلس التعاون وثقل مصر في المنطقة، أما الأردن فيمكن من خلالها احتضان وتحريك رجال السياسة والدين العراقيين المعتدلين. وعملت المؤسسة أيضاً على تحفيز إحياء عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين في المنطقة، والتي عبر عنها لقاء بين إيهود أولمرت "رئيس وزراء إسرائيل" ومحمود عباس "رئيس السلطة الفلسطينية"، وإحياء دور اللجنة الرباعية المكونة من الأمم المتحدة والولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي بقيادة أنجيلا ميركل، وهذا على محور التحرك السياسي والدبلوماسي، والذي بدأ يربط إطار أمن الخليج بإطار الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. أما التحرك العسكري الأميركي، فقد تزامن مع الحشد العسكري البحري والجوي الأميركي في الخليج، وتزويد موسكو لإيران بأنظمة صواريخ جديدة مضادة للطائرات، غير أن القوة العسكرية الأميركية تغطي بثقلها الكبير على التزويد الروسي. وهنالك على صعيد الأمم المتحدة القرار رقم 1737، الذي فرض على إيران عقوبات، كما أن الخطاب السياسي والعسكري الأميركي بات يستخدم القوة المرنة تجاه الشعب الإيراني من خلال عبارات الحرية والاستقرار والتنمية، "أي أن الولايات المتحدة تستخدم القوة العسكرية والسياسية والقانونية والقوة الثقافية والقيمية". انعكس التحرك الأميركي "السياسي والعسكري والإعلامي" على إيران من خلال عدة مؤشرات، كان أبرزها مطالبة آية الله خامنئي "المرشد الأعلى" الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بالابتعاد عن افتعال القضايا النووية، وذلك يدل على مدى ضعف الحنكة السياسية والخطر الحقيقي عبر امتلاك مثل هذه الثقافة السياسية "الصراع والنفوذ والطموح الإيراني" للقدرات التكنولوجية النووية المراد كسبها. واتضحت على الساحة السياسية رؤية "الإصلاحيين" لـ"المحافظين" الإيرانيين التي عبر عنها الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، والذي كان من "الإصلاحيين" رغم نفوذ "المحافظين" عليه، عبر رسالة إلى المرشد الأعلى لإيران "خامنئي" تعبر عن قلقه حيال تدني مستوى العلاقات بين إيران والدول العربية بسبب بعض السياسات وبسبب الراديكالية الثقافية، غير أن المرشد -ومعه التيار "المحافظ"- أخذ يُصعِّد التحدي، وذلك من خلال الحملات الدعائية وتعزيز القدرات الدفاعية وتعبئة حلفاء إيران من "جيش المهدي" و"فيلق بدر" إلى "حزب الله" و"حماس" والتوسع في أجهزتها الأمنية والعسكرية، ومحاولة زعزعة موقف الولايات المتحدة في العراق و"أفغانستان من خلال دعم السُّنة". وبدأت شعبية الرئيس الإيراني أحمدي نجاد تتقلص في الوسط الشعبي بسبب إخفاقه في السياسات التنموية والاقتصادية وتزداد تقلصاً حتى المناهضة لدى الطبقة المثقفة والطلبة الإيرانيين، حيث شهدت إيران في فترته الاهتمام بالخطابات والسياسات الخارجية التي لا تخدم المصلحة القومية الإيرانية، لاسيما في ظل الفجوة بين المشاكل التنموية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسسات السياسية الإيرانية. أخيراً، على القيادة الإيرانية أن تدرك بأن أي مساومة أو تفاوض أو إيجاد حلول سلمية تقدمها، أو تحفز عليها الولايات المتحدة، لا تكون أبداً تنازلاً أو مقايضةً تعكس حالة ضعف، بل هي السبيل والحل قبل الصدام المسلح. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حميد المنصوري باحث إماراتي في العلوم السياسية