تعتبر الزيارة الرسمية الأولى التي قام بها رئيس الوزراء الياباني "شينزو آبي" إلى أوروبا مباشر بعد تنصيبه معرجاً فيها على مقر حلف شمال الأطلسي سابقة تاريخية لرئيس حكومة ياباني منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في 1945. ويبدو أن هذا التقارب بين اليابان وحلف شمال الأطلسي الذي بدأت تتضح ملامحه أكثر فأكثر في الآونة الأخيرة يعكس إرادة مشتركة لقوتين رئيسيتين على الصعيد العالمي. فمن جهة تبرز رغبة الولايات المتحدة في تغيير وظيفة حلف شمال الأطلسي، الذي أسس في فترة الحرب الباردة لغرض إقامة التوازن الضروري بين المعسكرين الشرقي والغربي، وتحويله إلى حلف موسَّع يضم القوى الديمقراطية الفاعلة على الساحة الدولية وتوجيه جهوده لمحاربة الإرهاب. وإذا ما تم ذلك يستطيع حلف شمال الأطلسي تجاوز نطاقه الجغرافي الضيق المقتصر على أوروبا ليضطلع بمهمات عالمية مثل أفغانستان، وليتحول في النهاية إلى الذراع اليمنى في الحرب على الإرهاب. ومن جهة أخرى يأتي التقارب بين اليابان وحلف شمال الأطلسي ليعكس رغبة طوكيو في تعزيز موقعها على المسرح الدولي والقطع مع سياساتها التي تبنتها طيلة فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فلم تعد اليابان تكتفي بقوتها الاقتصادية والتكنولوجية، بل باتت تبحث لنفسها عن دور سياسي يستند إلى قوة عسكرية متجددة تتيح لها المشاركة، إلى جانب الولايات المتحدة، في تحمل المسؤولية الأمنية على الأقل في منطقة جنوب شرق آسيا. هذا التطلع الياباني الرامي إلى العودة مجدداً إلى الساحة الدولية يفترق تماماً مع سياساتها السابقة المرتكزة على قوة الاقتصاد والتجارة التي لاحظها الرئيس الفرنسي الأسبق الجنرال "شارل ديجول" عندما استقبل رئيس الحكومة اليابانية عام 1964 وقال "حسبت أني أستقبل رجلاً سياسياً، وإذا بي أمام تاجر أجهزة الترانزستور". بيد أن تلك الفترة من التاريخ الياباني التي دفعت الجنرال "ديجول" إلى إطلاق عبارته تلك أصبحت جزءاً من ماضٍ بعيد في ظل التوجه الحالي لليابان نحو الانخراط في القضايا العالمية وإعادة بناء قدراتها العسكرية. ولا زلنا نذكر كيف شعر المسؤولون اليابانيون بالإحباط إزاء عدم مشاركتهم العسكرية في حرب الخليج 1990-1991 والاكتفاء بتحمل الأعباء المالية للحرب من خلال تسديد جزء من التكلفة المالية للولايات المتحدة. لذا ومباشرة بعد حرب الخليج الأولى قامت اليابان في 1992 بتبني قانون أطلقت عليه اسم "عمليات حفظ السلام" يسمح لها بإرسال قواتها في مهمات خارجية بتفويض دولي، على أن تقتصر على حفظ السلام بعد فض النزاع، وهو ما يعني الإحجام عن المشاركة في عمليات قتالية. واليوم يرى المسؤولون اليابانيون بمن فيهم رئيس الوزراء الحالي "شينزو آبي"، البالغ من العمر 52 عاماً، والمولود بعد الحرب العالمية الثانية بأن نهاية الحرب الباردة تعطي اليابان الحق في تأكيد تطلعاتها الاستراتيجية التي كانت تعد إلى عهد قريب من المحرمات. وفي هذا الإطار تطالب اليابان بالحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن، لاسيما وهي تشارك بـ20% في النفقات العامة للأمم المتحدة. كما تسعى إلى تغيير دستورها السلمي، وبخاصة المادة التاسعة التي تحرم على اليابان خوض الحروب ترسيخاً لتطلعاتها الجديدة الرامية إلى الانخراط في عمليات حفظ السلام. وهكذا استبدلت تسمية وكالة الدفاع اليابانية بوزارة للدفاع تأكيداً منها على الدور الذي باتت طوكيو تسعى إلى ممارسته على الصعيد الإقليمي والدولي. ورغم أن النفقات العسكرية لليابان لا تتجاوز نسبة 1% من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أنها تحتل المرتبة الثالثة على الصعيد العالمي في نفقاتها العسكرية التي تقدر بحوالى 45 مليار دولار لتأتي مباشرة بعد الولايات المتحدة وبريطانيا متقدمة على فرنسا وألمانيا، بل وحتى الصين. وضمن هذا السياق أرسلت اليابان قواتها المسلحة إلى العراق بعد صدور القرار الأممي في 2004، الذي منح الشرعية للولايات المتحدة بالتواجد العسكري في العراق. ورغم أن نشر القوات اليابانية جاء بطلب من واشنطن التي أرادت تشكيل تحالف دولي لخوض الحرب، فإن الانتشار جاء أيضاً ليخدم المصلحة الاستراتيجية لليابان ويعزز صعودها على المسرح العالمي. وقد لا يضير أحداً أن تشارك اليابان، التي تتوفر على ثاني اقتصاد عالمي، في تحمل الأعباء الأمنية على الصعيد العالمي في ظل تفاقم المسؤوليات الأمنية العالمية وعدم الاقتصار فقط على ممارسة التجارة التي كثيراً ما دفعت الولايات المتحدة إلى التذمر من منافستها للاقتصاد الأميركي بينما تتمتع بحماية المظلة العسكرية الأميركية، لو لم تكن المشكلة في أن اليابان تسير في الطريق غير الصحيح. فبالمقارنة مع ألمانيا التي هُزمت هي الأخرى في الحرب العالمية الثانية يبرز اختلافان جوهريان لا يمكن أن تنكرهما عين أي مراقب. الأول أنه بخلاف ألمانيا مازالت اليابان واقعة تحت تهديد كوريا الشمالية والصين اللتين تربطهما علاقات تاريخية مشحونة بطوكيو. وبينما استطاعت ألمانيا الابتعاد على الحماية الأميركية مع اختفاء أسابب تهديدها لأوروبا، مازالت اليابان في حاجة إلى الحماية الأميركية في منطقة جنوب شرق آسيا. والحال أن اليابان لم تعد واثقة من أن أميركا قادرة على توفير الحماية لها، لاسيما في ظل السياسة الخارجية الأميركية التي تعاني تعثراً واضحاً في العديد من مناطق العالم. وحتى كوريا الجنوبية التي تقع في نفس المحيط الجغرافي أضحت أكثر استقلالاً عن الولايات المتحدة. أما الاختلاف الثاني الذي يفرق بين النموذج الياباني ونظيره الألماني، فهو اعتراف ألمانيا بكامل الجرائم التي اقترفتها خلال الحرب العالمية الثانية، وتلكؤ اليابان في الاعتراف النهائي بجرائمها، وكأن تعرضها للقصف بقنبلتين نوويتين في هيروشيما وناجازاكي يعفيها من الإقرار بما ارتكبته من فظائع في حق الشعوب المجاورة. يضاف إلى ذلك أن التطلع الياباني للعودة مجدداً إلى الساحة الدولية يصاحبه صعود في المشاعر القومية كثيراً ما يفسر في المنطقة على أنه يحمل نبرة عدائية تجاه الآخرين. وفي الوقت الذي استطاعت فيه ألمانيا تحقيق المصالحة التامة مع جيرانها ولم تعد مصدر تهديد لهم، بعثت الزيارات التي قام بها رئيس الوزراء السابق كويزومي إلى مزار "ياسوكوني" بإشارات مزعجة إلى دول المنطقة التي عانت الويلات من التوسع الياباني. والخشية اليوم هي من أن يؤدي مشروع توسيع حلف شمال الأطلسي ليضم الديمقراطيات ومحاربة الإرهاب إلى مجرد أداة لإشعال حرب الحضارات. وإذا كانت الصين قد سارعت إلى الجهر بمعارضتها لعودة اليابان إلى نزعتها العسكرية السابقة، فإن الدول الآسيوية الأخرى لا تقل تخوفاً من السياسة اليابانية وتتحفظ على الكثير من تفاصيلها. لذا فإن بحث اليابان عن دور عالمي جديد في غياب مراجعة جادة لتاريخها الاستعماري، فضلاً عن التصاقها بالسياسة الأميركية التي ثبت فشلها في العديد من الحالات، ليس الطريق الأمثل الذي يتعيَّن عليها سلوكه لبلوغ أهدافها.