تنطلق يوم الأربعاء المقبل فعاليات "المنتدى الاقتصادي العالمي" في دافوس بسويسرا. وإذا كان الاجتماع يبدو كتجمع لعلماء الاقتصاد الذين يُحدثون بعضهم بعضاً حول معدلات الفائدة، فنحن على خطأ. ذلك أن ما يسميه البعض ببساطة "دافوس" هو في الواقع تجمع يضم كبار رجال الأعمال، والسياسيين، والخبراء و-مؤخراً- المشاهير في منتجع جبلي منعزل من أجل مناقشة المواضيع العالمية على مدى ثلاثة أيام. فمنذ أن أطلق أستاذ الاقتصاد السويسري "كلاوس شواب" المنتدى عام 1971، أصبح هذا الأخير مع مرور الوقت أشهر اجتماعات النخبة، فحجب بذلك مؤتمرات ومناسبات منافسة كـ"نهاية الأسبوع النهضوية" و"المشروع الأميركي- البريطاني" و"اللجنة الثلاثية". هذا على الأقل ما يوحي به الخطاب المحيط بدافوس؛ فحسب موقع "المنتدى الاقتصادي العالمي" على الإنترنت، فإن دافوس "منظمة دولية مستقلة تهدف إلى تحسين حالة العالم عبر إشراك الزعماء في شراكات بهدف صياغة أجندات عالمية، وإقليمية، وقطاعية". وفي هذا السياق، يقول المتخصص في العلوم السياسية "صمويل هنتنجتون" إن "المشاركين في دافوس يتحكمون تقريباً في جميع المؤسسات الدولية، والكثير من حكومات العالم، والجزء الأكبر من قدرات العالم الاقتصادية والعسكرية". والواقع أن لمنتقدي المنتدى رأياً مماثلاً؛ حيث استهدفت المظاهرات المناوئة للعولمة المؤتمر، وهو ما تسبب في ارتفاع ميزانيته المخصصة للأمن بشكل لافت. إذ يمثل دافوس بالنسبة لهم أفضل مثال على العولمة التي تديرها نخبة قليلة من أجل إفقار الكثيرين. كما تصف واحدة من الدراسات الأكاديمية القليلة لتجربة دافوس الاجتماعات بأنها "ساحة متعددة الأشكال للوساطات على الحدود الجديدة للرأسمالية". والحق أن بعض هذه الانتقادات في غير محلها؛ ذلك أن القول إن دافوس هي مجموعة سرية لأشخاص يديرون العالم يشبه القول بأن اللعب في بطولة كرة السلة الأميركية يجعل الناس أطول قامة. وبالنظر إلى أن منظمي المنتدى أدرجوا إعطاء "الزعماء الرياضيين منبراً" باعتباره واحداً من أبرز إنجازات اجتماع العام الماضي، فإن المنتقدين ربما يبالغون في وصف سلطة دافوس. والواقع أن الخطاب الرسمي حول حل المشكلات العالمية لا يخلو من تضخيم ومبالغة أيضاً؛ ذلك أن المشاركين القلائل الذين باحوا بما يحدث في دهاليز المنتدى يرون أن المؤتمر إنما يشكل فرصة لنسج العلاقات وإرضاء الذات أكثر منه مناسبة لوضع أجندات عالمية. وفي هذا الإطار، كتب المؤلف "ديفيد روثكوف" في موقعه الشخصي على الإنترنت يقول "إن الموفدين جميعهم من هواة الجمع... جمع الأسماء الكبيرة، والنكت التي يقتسمونها مع الأصدقاء". وهنا تبدو أن لدافوس ثلاثة أهداف. أولاً، يشكل المنتدى مكاناً مناسباً ليطلق منه الساسة مبادرات جديدة وبراقة لا تكون عادة في مستوى ما يحيط بها من دعاية وإعلان. فقد أطلق أمين عام الأمم المتحدة السابق كوفي عنان مبادرة تقضي بتشجيع الشركات العالمية على تبني سياسات مسؤولة اجتماعياً في 1999. كما اقترحت الولايات المتحدة إنشاء منطقة تجارة حرة للشرق الأوسط عام 2003. أما رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، فقد استعمل دافوس كمنصة لإطلاق مبادرة مجموعة الثمانية الكبار حول تغير المناخ. ثانياً، تشكل دافوس مكاناً مناسباً للمفاوضين؛ فلما كان كبار رجال الأعمال والساسة من الحاضرين، فإنهم يستطيعون التخلص من عناء السفر للتباحث لأنهم يعلمون أنهم سيلتقون ببعضهم بعضاً في دافوس. وهكذا، فقد أضحى التقاء المفاوضين التجاريين في دافوس أمراً عادياً. في حين يرى العديد من زعماء العالم أن دافوس لا تعدو كونها محطة أخرى من محطات قطار المؤتمرات، على غرار اجتماعات الثمانية الكبار، وقمة منظمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي. ثالثاً، أصبحت دافوس مكاناً حيث يمكن لمشاهير السياسة والمال والأعمال أن يلتقوا بالمشاهير الذين تهتم بأخبارهم بقية العالم حقاً؛ وهكذا، فقد تميزت الدورات الأخيرة للمؤتمر بحضور "بونو" و"برانجيلينا" و"شارون ستون". وإذا كان ذلك لم يعمل سوى على زيادة اهتمام وسائل الإعلام، فإنه أثار أيضاً شكاوى مشاركين من أن دافوس أضحى المقابل الدولي لـ"مهرجان ساندانس للفيلم". ذلك أن ما كان ذات مرة تجمعاً حميمياً وصغيراً تحول إلى شيء كبير وضخم. في السابق، طالب نشطاء اجتماعيون بصوت لهم في المنتدى؛ غير أنهم تخلوا في السنوات الأخيرة عن تلك المطالب. وبدلاً من ذلك، اختاروا المشاركة في "المنتدى الاجتماعي العالمي"، الذي يُعقد في الفترة نفسها تقريباً من السنة. ومما يبعث على الإزعاج أيضاً أن دافوس قام برعاية استطلاع للرأي عبر العالم من إنجاز "مؤسسة غالوب"، كشف عن فقدان متزايد للثقة في الزعماء السياسيين والاقتصاديين –أي الأشخاص أنفسهم الذين يحضرون دافوس. الواقع أن "المنتدى الاقتصادي العالمي" لن يتقدم من دون قضية. وفي هذا السياق، يقول شواب إن "اجتماعنا السنوي سيساعد الزعماء على بحث الأجندة العالمية، ومن المؤمل أن يعيد ذلك الثقة في قدرة الزعامة العالمية على تحسين حالة العالم بالنسبة للجميع". ربما – إلا أن نتائج استطلاع الرأي قد تشكل مؤشراً على انتفاء جدوى دافوس. وهو ما يقودنا إلى سؤال وجودي مهم: ماذا لو أنهم عقدوا اجتماعاً للنخبة ولم يأبه به أحد؟ دانييل دريزنار ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أستاذ السياسة الدولية بجامعة توفتس ومؤلف كتاب "كل السياسة عالمية" ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"