عملت مستشاراً لدى ستة وزراء خارجية أميركيين باعتباري مختصاً في المفاوضات العربية- الإسرائيلية، والحال أنني كدت أسقط من على الكرسي عندما قرأت تصريح وزيرة الخارجية كندوليزا رايس الذي قالت فيه للصحافيين إن الدبلوماسية لا تقوم على عقد الصفقات. ربما تكون كلمة "عقد الصفقات" بالنسبة لها من قبيل العبارات السطحية أو المرتجلة، إلا أنها بالضبط هي ما تقوم عليه الدبلوماسية الأميركية الناجحة في الشرق الأوسط. وعليه، فلا غرابة أن يُحكم مستقبلاً على تركة رايس استناداً إلى هذا المعيار. مما لاشك فيه أن الوزيرة رايس كانت محقة تماماً حين أكدت على أن الدبلوماسية هي أكثر من مجرد عقد صفقات؛ فالنجاح أو الفشل يعتمد على قراءة جيدة للظروف، وفهم استراتيجي لما إن كان ينبغي التدخل كوسيط ومتى؛ ذلك أن ثمة فرقاً كبيراً بين أخذ المبادرة والرغبة في مبادرة أميركية. وهذا ما ينسحب بصفة خاصة على الساحة العربية- الإسرائيلية، حيث الظروف الإقليمية المتغيرة تؤثر على كل تقدم أو اختراق كبير. فقد أعقبت الدبلوماسية الناجحة التي تبناها هنري كيسينجر مثلا –فصل القوات السورية والمصرية، وعن الإسرائيلية في أوائل السبعينيات- حرب 1973، التي قلبت كل أفكار السياسة الأميركية وأرغمت المتحاربين على بحث إمكانية المفاوضات. وأيضاً نجاح جيمي كارتر في رعاية اتفاق سلام مصري- إسرائيلي انبثقت عنه الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى القدس. إضافة إلى ذلك، فإن نجاح وزير الخارجية الأميركي السابق جيمس بيكر في عقد "مؤتمر مدريد" للسلام عام 1991 جاء في أعقاب حرب الخليج وانهيار الاتحاد السوفييتي. والحال أن تغيير اللوائح التكتونية شرط ضروري ولكنه غير كافٍ لتحقيق إنجاز دبلوماسي؛ ذلك أنه كان لابد أيضاً في جميع هذه الحالات من إرادة وتصميم حقيقيين للولايات المتحدة على رعاية هذه الاتفاقات. فقد تطلب نجاح كسينجر في مساعيه على سبيل المثال ثمانية عشر شهراً من الإصغاء لشكاوى وتظلمات العرب والإسرائيليين، والجهود الرامية إلى الإقناع، والتطمين، وإحداث توازن بين مصالحهم. كما أن رحلاته المكوكية في المنطقة التي دامت 34 يوماً بهدف التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل وسوريا تعد أطول فترة يقضيها وزير خارجية أميركي خارج الولايات المتحدة في إطار مهمة دبلوماسية، باستثناء الوزير روبرت لانزينغ في مؤتمر فرساي للسلام. إن المشكلة اليوم لا تتعلق بطبيعة الحال بما ينبغي فعله عندما يكون المرء أمام فرصة تاريخية واضحة، وإنما بطريقة إحراز التقدم على نطاق صغير. فقد واجه الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون وضعاً مماثلاً في 1996؛ حيث واجه التحدي المتمثل في رئيس وزراء إسرائيلي صعب ومتصلب، ورئيس متشكك لـ"منظمة التحرير الفلسطينية" كانت له آراء ووجهات نظر مختلفة اختلافاً كبيراً حول السلام ولا يثق في العملية. وفي ظل هذه الظروف، أمضى بيل كلينتون ما ينيف على الأسبوع، في مظهر ناجح من مظاهر عقد الصفقات الذي ينم عن حنكة ومهارة، في محاولة لدفع ياسر عرفات وبنيامين نتانياهو نحو اتفاق لم يتصف بالكمال إلا أنه عمل على إنقاذ الأرواح وحافظ على استمرار العملية قائمة. وقد تم التمهيد لهذه القمة بتسعة أشهر من الجهود الحثيثة لوزيرة الخارجية مادلين أولبرايت وفريقها. تواجه كندوليزا رايس حالياً وضعاً غاية في الصعوبة؛ ذلك أن الزعيمين الإسرائيلي والفلسطيني الضعيفين، واللاعبين غير الحكوميين ("حماس" و"حزب الله")، إضافة إلى الشغب الإيراني كلها عوامل أنتجت خليطاً قابلاً للانفجار. علاوة على ذلك، فكندوليزا رايس مقيدة بإدارة أميركية باتت ترى، في ضوء أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والحرب على الإرهاب، والتحدي الإيراني، والمعركة بين المتشددين الإسلاميين والمعتدلين، أنه لا جدوى من الدبلوماسية. والحال أن اليوم هو بالضبط الوقت المناسب لاستعمال هذه الوسيلة، وسيلة القوة الأميركية؛ ذلك أن الوضع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، الذي بلغ حالة يأس لا تخفى على أحد، في حاجة إلى اهتمام أميركي جاد. صحيحٌ أن إيجاد حل لصراعهم لن يحل مشكلة العراق ولن يضع حدا للتهديد الذي يطرحه الإسلام المتشدد، إلا أنه سيعمل على تحسين مصداقيتنا، ودعم أصدقائنا، وتقليل فرص نجاح أعدائنا في تعبئة العرب والمسلمين ضدنا. إن قرار كندوليزا رايس بجعل الصراع العربي- الإسرائيلي أولوية يشكل بداية جيدة؛ إلا أنه تعزيزاً لفرص نجاحها، سيتعين على الإدارة الأميركية أن تغير عقليتها، وتشرع في بذل جهود جادة وحثيثة، وتضع بالتالي استراتيجية تكون –بالنسبة للجانبين- متوازنة وصارمة ومُطَمْئنة في آن واحد. إلا أن ذلك سيتطلب في نهاية المطاف من الوزيرة رايس أن تقر بأن الدبلوماسية –وما تتطلبه من مئات الساعات لحل المشكلات- تقوم بالفعل في النهاية على عقد الصفقات. آرون ديفيد ميلار ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ متخصص في السياسة العامة بـ"مركز ودرو ويلسن" ومستشار لوزراء خارجية أميركيين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"