كثرت التصريحات والتلميحات خلال الفترة الأخيرة، في وسائل الإعلام الغربية، عن إمكانية توجيه ضربة عسكرية لإيران، لوضع حد لبرامجها النووية حيناً، ولوقف تدخلاتها في العراق حيناً آخر. وأيٌّ تكن الأسباب الحقيقية، ودلالة التلميحات، والتسريبات، فإن ثمة شيئاً ما يتحرك في الأفق بات يستحق التسجيل، فكل هذا الدخان لا يمكن أن يكون من دون نار. والاحتمالات الواردة والممكنة هنا أكثر من أن تحصى. تماماً كما أن الدوافع والمبررات الجاهزة لدى كل طرف كثيرة جداً أيضاً. فإيران تقول إن كل ما تقوم به هو أعمال ذات صلة ببرنامج نووي مدني سلمي، وإن اتفاقية منع الانتشار النووي تسمح لها بذلك، وبالتالي فإن وضعها سليم من ناحية الشرعية الدولية. والغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، يعتبر أن البرنامج النووي الإيراني ذو أهداف عسكرية واضحة، تسعى من خلالها طهران لتغيير معادلات القوى الإقليمية، بحيث تصبح هي القوة المهيمنة في الشرق الأوسط. ولذا تمكنت الدول الغربية من إقناع مجلس الأمن بإصدار قرار واضح ضد إيران، ما يجعله قابلاً لـ"الاستثمار" مستقبلاً في إضفاء الشرعية على أي تصعيد محتمل. والملفت عموماً في التسريبات والتصريحات التي تزايدت مؤخراً حول احتمال ضرب إيران أن الأميركيين يطلقون السيناريوهات، وينفونها، في الوقت نفسه، وهذا النوع من توجيه "الرسائل"، هو عادة ما يسمى بـ"التهديد المُبطَّن". ومع كل تهديد مُبطن جديد يأتي الرد من الطرف الآخر بالمزيد من التحدي، وبتصليب المواقف أكثر فأكثر. وإذا استمرت مواقف الطرفين على هذه الوتيرة من التباعد والتنابذ، فإن أسوأ الاحتمالات سيصبح، مع مرور الوقت، هو الاحتمال الوحيد. فأميركا المُستفَزة أصلاً في العراق بما فيه الكفاية، والتي تطوِّق قواتها عملياً إيران من الشرق في أفغانستان، ومن الغرب في العراق، لاشك أنها ستجد صعوبة كبيرة في مقاومة إغراء الإقدام على التصرف. وإيران التي اتسع نفوذها في العراق، ولبنان، وفلسطين، وربما في غرب أفغانستان أيضاً، تعتبر هي الأخرى أن لديها من أوراق الضغط ما يتعين على الأميركيين وضعه في الاعتبار، قبل الإقدام على أي خيار صعب. بعض المراقبين يرى، أن القوى الغربية أبدت حتى الآن من الصبر والمرونة في تعاملها مع أزمة النووي الإيراني، ما سيجعل الرأي العام الدولي، أكثر تفهماً بكثير لدواعي أية إجراءات مستقبلية ضد طهران، هذا مقارنة بما كانت عليه الأوضاع في الحالة العراقية سنة 2003، التي عانت فيها إدارة الرئيس بوش الأمرَّين في معركة الرأي العام خاصة. أما إيران التي أفقدها رفع قفاز التحدي بشكل مستمر، ودون سقف معروف، تعاطف قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي، فقد أفقدها أيضاً الشحن الطائفي والمذهبي في العراق ولبنان، تعاطف قطاعات لا تقل اتساعاً في الرأي العام العربي والإسلامي. كما أن بقاء كثير من الملفات معلقاً بينها وبين الدول العربية، لا يعد في صالحها، على كل حال. وهذا ما أصبحت الأصوات المنبهة إلى خطورته في الداخل الإيراني نفسه أكثر ارتفاعاً خلال الأسابيع الأخيرة. وإذا جمعنا كل المؤشرات والمتغيرات أعلاه، فإن احتمال توجيه ضربة لإيران يصبح مطروحاً بقوة. كما أن بدء العمل على تصفية الوجود الإيراني "الظاهر" في العراق، من قبيل اعتقال عناصر "قنصلية" أربيل، وما صاحبه من تهديد في شكل "أوامر" وتأكيدات تسابقت إليها رايس و"غيتس" ورئيسهما بوش نفسه، ليس خالياً أيضاً من الدلالة. وإذا تبعت ذلك تصفية أكثر الميليشيات الشيعية فجاجة في العراق، تكون شروط المواجهة الأبعد مع طهران قد اقتربت، بعد أن تكون المواجهة الأدنى -مع أنصارها المتهوِّرين داخل العراق - قد حسمت، على نحو مأمون.